الأربعاء, 16 أيلول / سبتمبر 2026

حين يتحوَّل سعر البصلة إلى مُؤشّر أدق من أي تقرير رسمي

حين يتحوَّل سعر البصلة إلى مُؤشّر أدق من أي تقرير رسمي
المشاهدات2
مقال رقم #681
Whatsapp
Facebook Share

تضخُّم أسعار الغذاء في إيران يقترب من 130 بالمئة، وَفْق أحدث البيانات، بينما ارتفعت أسعار الأرز نحو 60 بالمئة واللحوم الحمراء نحو 150 بالمئة منذ اندلاع الحرب.

هذه الأرقام، حين تُوضَع جنبًا إلى جنب مع زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 60 بالمئة فقط، تكشف عن فجوة حسابية بسيطة يفهمها أي مواطن إيراني قبل أن يفهمها أي اقتصادي؛ وهي أن الأجر الذي يرتفع بمُعدّل أبطأ من الأسعار التي يُفترَض أن يشتري بها هذا الأجر سلعًا أساسية، يعني ببساطة تراجعًا فعليًّا في القدرة الشرائية، بصرف النَّظَر عن الرقم الاسمي المكتوب على كشف الراتب.
 
اللافت أن جذر هذه الأزمة المعيشية لا يبدأ من سوق الغذاء نفسه بل من سوق الصرف؛ إذ يتحوَّل هبوط الريال الإيراني إلى نقطة انطلاق تنتقل آثارها تباعًا عبر سلسلة كاملة من الأسواق المترابطة.

 

فحين تفقد العملة المحلية قيمتها مقابل الدولار، ترتفع تكلفة استيراد أي سلعة أو مادة خام مقوّمة بالعملة الأجنبية بالتناسب نفسه، وهذا يُفسّر لماذا لا يبقى أثر انهيار العملة محصورًا داخل نشرات أسعار الصرف، بل ينتقل مباشرةً إلى أسعار الغذاء والدواء والإيجارات والنقل في وقت واحد تقريبًا، إذ تعتمد جميعها بدرجات متفاوتة على مدخلات مستوردة أو مُسعَّرة بالعُملة الصعبة.
 
كذلك يكشف الترابط بين قطاع الطاقة وقطاع البتروكيماويات عن حلقة أخرى في هذه السلسلة تصيب الإنتاج المحلي مباشرةً قبل أن تصل إلى المستهلك؛ فحين تتضرَّر شركة برس الجنوب، التي تُزوّد قطاعات البتروكيماويات بالمازوت والبنزين، ينعكس هذا التضرُّر على بقية القطاعات المرتبطة بها، وهذا يعني أن أثر العقوبات على قطاع بعينه لا يبقى محصورًا فيه، بل ينتقل أفقيًّا عبر شبكة الإنتاج الصناعي المترابطة إلى قطاعات أخرى قد لا تبدو للوهلة الأولى مُستهدَفة مباشرةً بالحصار.

 

وهذا الانتقال الأفقي للأثر يُفسّر لماذا لم يَعُد الحديث عن قطاع نفطي منفرد يواجه صعوبات كافيًا لفَهْم حجم الأزمة، بل بات ضروريًّا النظر إلى منظومة الإنتاج بأكملها كوحدة واحدة مُتأثّرة بالحصار في مجموعها.
 
وفي الوقت نفسه، فإن تقسيم أسعار البنزين إلى شرائح مُتعدّدة، ومضاعفة سعر الشريحة الثالثة المخصَّصة للمستهلِكين الكبار، يكشف عن محاولة حكومية لإدارة أزمة الوقود بأدوات تسعير تدريجية بدلًا من رفع الأسعار دفعةً واحدةً على الجميع. لكن هذه الإستراتيجية التدريجية تصطدم بمعارضة برلمانية معلنة؛ إذ أكَّدت عضو هيئة رئاسة مجلس الشورى، سمية رفيعي، أن البرلمان يعارض بشكلٍ عام أي زيادة في أسعار البنزين، مُشدّدة على أن المواطنين لا ينبغي أن يدفعوا ثمن المشكلات القائمة. هذا التوتر بين حاجة الحكومة إلى تعديل أسعار الطاقة لمواجهة عجز الإنتاج المحلي، ورفض مُمثّلي الشعب تحميل المواطنين تكلفة هذا العجز، يكشف عن معضلة بنيوية لا حل تقني سريع لها؛ إذ يتطلب أي تعديل في أسعار الطاقة توافقًا سياسيًّا يصعب تحقيقه في ظل تصاعُد الضغط الاقتصادي على الجميع في آنٍ واحد.
 
أما اتساع دائرة المُتضرّرين لتشمل عمالًا في قطاعات الطاقة والصلب والبتروكيماويات ممَّن خرجوا للمطالبة بتحسين الأجور والتأمين والمعاشات، فيُوضّح أن الأزمة انتقلت من مستوى الأرقام الإحصائية المجرَّدة إلى مستوى الاحتجاج المباشر داخل المنشآت الإنتاجية نفسها. ورغم أن هذه التحركات تظل محدودة ومحلية وتدور حول مطالب معيشية بحتة دون مُؤشّرات موثوقة على تنسيق وطني بينها، فإنّ تكرارها في مواقع مُتفرّقة يكشف أن الضغط الاقتصادي بدأ يظهر أثره في أكثر من نقطة إنتاجية حسَّاسة داخل الاقتصاد الإيراني في وقتٍ متقارب، لا في موقع واحد معزول.
 
الدرس الأعمق الذي تكشفه هذه السلسلة من التداعيات؛ هو أن الحصار الاقتصادي الممتد، حين يصيب حلقة واحدة في منظومة إنتاجية متكاملة كقطاع الطاقة، لا يبقى أثره محصورًا في تلك الحلقة، بل ينتقل تلقائيًّا عبر شبكة الترابط الصناعي والمالي إلى بقية القطاعات، وصولًا إلى المائدة اليومية للمواطن العادي الذي قد لا تكون له أي علاقة مباشرة بقطاع النفط أو التصدير؛ وهذا ما يجعل قياس الأثر الفعلي لأي حصار اقتصادي طويل الأمد يتطلب النَّظَر إلى المسافة الزمنية التي يستغرقها الضغط للانتقال من قطاع إستراتيجي معزول إلى سعر رغيف الخبز أو كيلو الأرز في السوق المحلية، إذ إن هذه المسافة، مهما بدت طويلة في بداية الأزمة، تضيق مع كل شهر إضافي يستمر فيه الحصار قائمًا.
 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media