حين تصبح الجغرافيا سلاحًا ينقلب على صاحبه في لحظة واحدة
إستراتيجية الضغط المزدوج التي تتبعها واشنطن تحمل منطقًا بسيطًا في جوهره رغم تعقيد أدواته. فبدلًا من الاكتفاء بمعادلة ناقلة مقابل ناقلة التي كانت تحكم الرد الأمريكي في مراحل سابقة، وضعت الإدارة الأمريكية تكتيكًا يجعل كل تحرك عسكري إيراني مصحوبًا بخسارة اقتصادية موازية، بحسب ما أوضحه الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي.
هذا الانتقال من معادلة الرد المتناسب إلى معادلة الرد المضاعَف يكشف تحولًا في فلسفة الردع ذاتها، إذ لم يَعُد الهدف مُعاقَبة الفعل العسكري بمثله، بل جعل تكلفة أيّ فِعْل عسكري إيراني أعلى دائمًا من قيمته الإستراتيجية بالنسبة لطهران.
اللّافت أن إيران، في مواجهة هذا الضغط المُركّب، لا تُراهن على مواجهته مباشرة بقدر ما تراهن على تشتيته جغرافيًّا عبر فتح جبهات متعددة تشمل الحوثيين في اليمن وفصائل عراقية، وفق قراءة العزاوي نفسه.
وهذا الخيار يعكس منطقًا اقتصاديًّا للمواجهة أكثر منه منطقًا عسكريًّا صرفًا؛ إذ تدرك طهران أن قدرتها على مجاراة واشنطن في المواجهة المباشرة محدودة، بينما تمتلك في المقابل شبكة من الأدوات غير المتماثلة القادرة على رفع تكلفة الاستقرار الإقليمي على أطراف متعددة في آنٍ واحد. لكنّ هذا الخيار نفسه يحمل تكلفته الخاصة؛ إذ حذّر العزاوي من أن استهداف دول عربية وخليجية يؤدي إلى تقويض علاقات إيران الإقليمية، وهو ما يعني أن أداة التشتيت التي تستخدمها طهران للهروب من الضغط الثنائي مع واشنطن تفتح في الوقت نفسه جبهة ضغط جديدة عليها من محيطها العربي الذي كانت تحرص تاريخيًّا على تحييده.
كذلك يكشف موقع الصين من هذه المعادلة عن حدود قدرة إيران على الاستناد إلى تحالفاتها الدولية المعلنة وقت الأزمة. فبكين، رغم كونها المشتري الأكبر للنفط الإيراني بأسعار تفضيلية بحسب قراءة الخبير الحيدري، تتحرّك وفق حساباتها الاقتصادية الخاصة لا وفق التزام إستراتيجي تجاه طهران، وهذا ما يُفسِّر رفضها استقبال رئيس المفاوضات الإيراني وربطها أيّ تعاون مستقبلي بشروط تتعلق بمضيق هرمز والعلاقات مع دول الخليج. وحين تُضاف إلى ذلك حقيقة عدم حصول إيران على المعدات التي وعدت بها الصين وروسيا لمواجهة الحرب الأمريكية، يتّضح أن حجم العلاقات الاقتصادية بين بكين وواشنطن يدفع الصين إلى تقديم مصالحها مع الولايات المتحدة على علاقتها بطهران، وهو ما يُفرّغ خطاب المحور المناهض للهيمنة الأمريكية من مضمونه العملي حين تصل الأزمة إلى لحظة حاسمة.
وفي الوقت نفسه، فإنّ اتساع دائرة الضغط لتشمل قدرة الحرس الثوري وفيلق القدس والميليشيات المرتبطة بطهران على تحويل الأموال، بحسب ما أشار إليه الحيدري، يكشف أن الحصار لم يَعُد يستهدف فقط الجسم الاقتصادي المُعلَن للدولة الإيرانية بل يمتدّ إلى الشبكات الموازية التي كانت تُشكِّل تقليديًّا صمام أمان يُعوّض تأثير العقوبات الرسمية.
وهذا التوسُّع في نطاق الاستهداف يُفسِّر لماذا تبدو مساحة المناورة المتاحة أمام طهران أضيق في هذه المرحلة مقارنةً بموجات العقوبات السابقة؛ إذ لم تَعُد القنوات الموازية التي اعتمدت عليها طويلًا قادرة على تعويض الخسائر الرسمية بالقَدْر ذاته من الكفاءة.
أما التساؤل الذي يظل مفتوحًا رغم اتفاق القراءات الثلاث على تشخيص الضغط، فيتعلق بمآلاته النهائية، إذ يختلف الخبراء حول ما إذا كانت النتيجة ستنتهي إلى تنازلات إيرانية أو تغيير من الداخل أو تصعيد جديد يُعيد المواجهة العسكرية إلى الواجهة. هذا الاختلاف في القراءات ليس تناقضًا في التحليل بقَدْر ما هو انعكاس لحقيقة أن الضغط متعدّد الأبعاد، حين يصل إلى مستوى معين من الشدة، يفتح احتمالات متعددة غير متبادلة الإقصاء بالضرورة؛ إذ يمكن أن تتزامن تنازلات جزئية مع تصعيد موضعي في جبهة أخرى، وهو ما يجعل التنبؤ بمسار واحد حاسم أقرب إلى التبسيط منه إلى التحليل الدقيق.
الدرس الأعمق الذي تكشفه هذه المعادلة المركبة هو أن إستراتيجية تشتيت الضغط عبر توسيع الجبهات، حين تستخدمها دولة تواجه حصارًا شاملًا، تحمل في داخلها مُفارَقة بنيوية لا مفرّ منها. فكلّ جبهة جديدة تُفتح بهدف تخفيف الضغط الأساسي تصبح بذاتها مصدر ضغط إضافي يستنزف موارد ثمينة أصلًا ويوسع دائرة الأطراف التي تتحوّل من محايدة إلى متضررة، وبالتالي إلى خصوم محتملين جدد. وهذا يعني أن منطق التشتيت الجغرافي، الذي يبدو للوهلة الأولى وسيلة لتوزيع التكلفة وتخفيفها، ينتهي في الغالب إلى مضاعفة عدد الجهات المُطالَبة بثمن الاستقرار، بدل أن يُخفّف عن الطرف الذي بدأ المناورة أصلًا عبء المواجهة الأولى.
