صراع القيادة في طهران.. حين يتحوَّل الغموض في القمة إلى إستراتيجية بقاء
من سمات الأنظمة التي تَمرّ بأزمات وجودية متلاحقة أن غموض القيادة في داخلها لا يكون دائمًا علامة ضعف عارض، بل قد يتحوَّل إلى آلية بقاء مقصودة في ذاتها؛ فحين تفشل سبع ساعات من المحادثات المباشرة بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والمرشد مجتبى خامنئي، في احتواء الخلاف الداخلي حول التفاوض مع واشنطن، لا يكون السؤال الأهم هو مضمون هذا الخلاف بحَدّ ذاته، بل لماذا يستمر النظام في العمل بالرغم من عجزه المتكرّر عن حسم قراراته المصيرية عبر قنواته الرسمية المعلنة؟
يكشف هذا العجز عن بنية قرار مزدوجة تتنازعها قراءتان مُتعارضتان لمصلحة النظام في هذه المرحلة تحديدًا. فبزشكيان يتعامل مع التفاوض باعتباره أداةً لتخفيف الضغط الخارجي وتفادي مزيدٍ من الاستنزاف، بينما يرى التيار المُتشدّد المرتبط بالحرس الثوري أن أيّ تنازل تفاوضي في هذه اللحظة يُمثّل اعترافًا ضمنيًّا بالضعف يُهدّد شرعية النظام في مواجهة جمهوره الداخلي قبل خصومه الخارجيّين.
وهذا التناقض بين منطق يقيس المصلحة بمعايير الاستقرار الآني، ومنطق يقيسها بمعايير الصورة الرمزية للسلطة؛ هو ما يجعل أي اتفاق داخلي حول التفاوض أصعب من التفاوض الخارجي.
كما يُوضّح التناقض المتكرّر بين تصريحات القيادة السياسية وسلوك الأذرع العسكرية الفعلي على الأرض، أن الفجوة بين الخطاب والممارسة لم تَعُد استثناءً عابرًا، بل نمطًا بنيويًّا مُتكررًا؛ فحين يعلن الجناح السياسي التزامًا معينًا بينما تستمر الأذرع العسكرية في سلوك مغاير عمليًّا، فإن ذلك لا يعكس عجزًا عن السيطرة فحسب، بل يمنح القيادة العليا هامشًا مزدوجًا للمناورة، إذ تستطيع الاستفادة من مكاسب التصعيد الميداني مع الاحتفاظ بغطاء دبلوماسي مُعلَن يوحي بالانفتاح. وهذا الهامش المزدوج يخدم وظيفة إستراتيجية واضحة تتمثَّل في تجنُّب الحسم الكامل باتجاه أيٍّ من الخيارين.
والأخطر من ذلك أن هذا الغموض في القيادة يمتد إلى ملف أكثر حساسية، وهو مسألة الخلافة داخل هرم السلطة نفسه؛ حيث تتقاطع التساؤلات حول قدرة مجتبى خامنئي على ضبط أجهزة الدولة مع تكهنات متصاعدة حول منافسين محتملين لخلافة والده.
وحين يتزامن غموض إدارة الأزمة الخارجية مع غموض موازٍ حول مستقبل السلطة الداخلية، فإنّ كل طرف في هذا الصراع يجد حافزًا إضافيًّا للتريُّث بدلًا من الحسم، لأنّ أي قرار إستراتيجي كبير في هذه المرحلة لن يُقيَّم فقط بأثره على الأزمة الراهنة، بل بأثره المحتمل على موازين القوى في معركة الخلافة القادمة.
ويكمن جوهر هذا الإشكال في أن الأنظمة المركزية التي تُبنَى شرعيَّتها على تصوير القرار كوحدة متماسكة، تجد صعوبةً أكبر في إدارة الانقسام الداخلي مقارنةً بالأنظمة التعدُّدية التي تعترف علنًا بتعدُّد مراكز القوى فيها. فحين يُفترض رسميًّا أن القرار واحد وصادر عن مرجعية عليا واحدة، يصبح أي تسريب لخلاف داخلي مُكلفًا بذاته بمعزل عن مضمون هذا الخلاف؛ لأنه يُهدّد الافتراض الأساسي الذي تقوم عليه شرعية النظام كله.
وهذا ما يُفسّر لماذا تُدار هذه الخلافات بلُغة ملتبسة وتصريحات متناقضة بدلًا من الاعتراف الصريح بوجود تيارات متصارعة تتنافس على تحديد مسار الدولة.
والدرس الأعمق هنا هو أن الغموض في القمة، حين يتكرَّر عبر أزمات متعاقبة دون أن يفضي إلى انهيار كامل للنظام، يتحوَّل تدريجيًّا من عرض جانبي للأزمة إلى أداة تكيُّف بنيوية تتيح للنظام امتصاص الصدمات المتتالية دون الاضطرار لحسم اتجاهه النهائي.
فبقدر ما يبدو غياب القرار الواضح علامة ضعف من الخارج، فإنّه قد يكون من الداخل وسيلةً لتوزيع المخاطر بين أجنحة مُتعدّدة؛ بحيث لا يتحمَّل أي طرف بمفرده تكلفة قرار كبير قد يثبت لاحقًا أنه كان خاطئًا.
