الأحد, 13 أيلول / سبتمبر 2026

حين يعجز طرف عن مواجهة خصمه الأقوى فيبحث عن حرب بالوكالة

حين يعجز طرف عن مواجهة خصمه الأقوى فيبحث عن حرب بالوكالة
المشاهدات2
مقال رقم #639
Whatsapp
Facebook Share

طهران طلبت من الحوثيّين، وَفْق ما نقلته "رويترز" عن مصدرَين إيرانيَّين، تصعيد هجماتهم على السعودية، ووعدتهم بتمويل وأسلحة إضافية وإرسال كبار الضباط لمساعدتهم، بالتزامن مع تقدُّم الجماعة على الساحل الغربي لليمن وسيطرتها على مدينة المخا. هذا الطلب المباشر يكشف نمطًا متكررًا في سلوك إيران كلَّما ضاق الخناق عليها من الجهة التي تعجز عن مواجهتها بشكلٍ مباشر، وهو تحويل الضغط نحو أهداف إقليمية أضعف قدرةً على الرد، بدلًا من مواجهة مصدر الضغط الأصلي.
 
اللافت أن هذا التصعيد يأتي في توقيت تواجه فيه إيران أقصى درجات الحصار الأمريكي على صادراتها النفطية وأسطولها البحري، بعدما أدَّى الإغلاق لمضيق هرمز إلى اضطرابات واسعة في إمدادات الطاقة العالمية. ووَفْق مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية، فإنّ التقدُّم الحوثي جاء بتوجيه مباشر من الحرس الثوري؛ في مسعى لفتح جبهة جديدة في الحرب مع الولايات المتحدة، وتعزيز الضغط على السعودية وحركة الملاحة في البحر الأحمر. وهذا التزامن بين تصاعد الضغط الأمريكي المباشر على طهران، وتصاعد التوجيه الإيراني للحوثيّين ضد الرياض، يكشف علاقة سببية واضحة؛ فحين تعجز إيران عن الرد على واشنطن في الساحة التي تدور فيها المواجهة الأصلية، تلجأ إلى تفعيل أذرعها الإقليمية لضرب حلفاء واشنطن الإقليميّين، وعلى رأسهم السعودية؛ في محاولة لتوزيع تكلفة الحصار عليها بدلًا من تحمُّلها منفردة.
 
كذلك يُوضّح الربط الجغرافي بين مضيقَي هرمز وباب المندب طبيعة هذا الدور التخريبي الموسَّع؛ فالسيطرة الحوثيَّة على المخا تُعزّز قدرة الجماعة على تهديد الملاحة عبر باب المندب في التوقيت ذاته الذي تحاصر فيه إيران هرمز؛ وهذا يعني أن طهران تسعى إلى تعميم حالة عدم الاستقرار على أكبر عدد ممكن من الممرات المائية الإستراتيجية؛ بحيث يتحوَّل الشرق الأوسط بأكمله إلى رهينة لأزمتها الخاصة مع واشنطن. وهذا النمط يُفسّر لماذا لم يَعُد التصعيد الإيراني محصورًا في حدود مواجهتها المباشرة، بل يمتد ليطال دولًا لا علاقة لها بالصراع الأصلي، على رأسها السعودية التي لا تُشكّل طرفًا في الحرب الأمريكية الإيرانية، لكنها تجد نفسها مُستهدَفة بفعل موقعها الجغرافي وعلاقتها بواشنطن.
 
وفي الوقت نفسه، فإنّ حجم الطلبات الإيرانية من الحوثيّين تكشف عن نية تصعيدية تتجاوز حدود الرسائل الرمزية إلى مستوى الضغط الاقتصادي المباشر على المملكة؛ فاستهداف مستودعات النفط يُمثّل محاولةً لضرب العصب الاقتصادي السعودي بالمنطق نفسه الذي تحاصر فيه واشنطن الاقتصاد الإيراني؛ ما يعكس رغبة طهران في خلق تكافؤ مُصطنَع في الخسائر، بحيث لا تتحمَّل وحدها تكلفة العزلة الاقتصادية، بينما يبقى خصومها الإقليميُّون بمنأى عن الأذى. هذا التوجُّه يكشف أن التصعيد ليس دفاعًا عن مصالح الحوثيّين اليمنية بقدر ما هو استخدام مباشر لهم كأداة ضغط بالوكالة على دولة لا تستطيع إيران مواجهتها عسكريًّا.
 
أما ضبط النَّفْس السعودي، الذي اقتصر على مساعدات لوجستية واستخباراتية للحكومة اليمنية وغارات محدودة بعيدة عن المعاقل الحوثية الرئيسة، فيكشف حجم الضغط الذي تتعرَّض له الرياض من موقع الطرف المستهدف لا المبادر؛ فالمملكة تجد نفسها مضطرةً لإدارة تهديد تصاعدي مدعوم إيرانيًّا بأقصى درجات الحذر، خشية أن يدفعها أي رد أقوى إلى دوامة تصعيد واسعة تخدم في النهاية الهدف الإيراني الأصلي المتمثّل في توسيع رقعة عدم الاستقرار. وهذا يعني أن السعودية تتحمَّل عبء الاحتواء، بينما تظل إيران هي مَن تبادر بالتصعيد وتُحدّد إيقاعه، وهو اختلال واضح في توزيع المبادرة بين طرف يهاجم بلا تكلفة مباشرة عليه، وطرف يُستهدَف ويُجبَر على ضبط ردوده.
 
الدرس الأعمق الذي تكشفه هذه المعادلة؛ هو أن عجز دولة عن مواجهة خصم أقوى منها يدفعها إلى البحث عن أهداف بديلة أقل قدرةً على الرد المتناسب، لا لأن هذه الأهداف طرف أصيل في الصراع؛ وإنما هي الأقرب جغرافيًّا والأكثر ارتباطًا بالخصم الأصلي. وهذا ما يجعل السعودية تتحمَّل جزءًا من تكلفة هذه المواجهة بفعل موقعها الإقليمي وتحالفاتها، بينما تستخدم طهران أذرعها المسلَّحة لنقل عبء عجزها عن مواجهة واشنطن إلى جيرانها الأضعف قدرةً على الرد المباشر.
 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media