حين يتّفق الخصمان على الهدف ويختلفان فقط على مَن يَظهر منتصِرًا!!
تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة عن اقتراب الحسم في الملف الإيراني تبدو، عند تفكيكها، أقرب إلى محاولة لتحريك مسار ميداني وصل إلى طريق مسدود منه إلى إعلان فِعْلي عن تحوُّل وشيك. فربط هذا الخطاب بأيّ تهديد يطال ممرات بحرية إستراتيجية كباب المندب يكشف أن الهدف الحقيقي من تصعيد اللهجة يتجاوز الضغط على طهران وحدها ليَطال سوق النفط العالمي، الذي يتأثّر بمجرد الحديث عن مواجهة محتملة، حتى قبل وقوع أيّ تصعيد فِعْلي على الأرض.
اللّافت أن هذا الخطاب الأمريكي يحمل تناقضًا متعمدًا بين التلويح بالحسم العسكري والحديث في الوقت نفسه عن استمرار الاتصالات المباشِرة مع طهران، وهذا الغموض المقصود يخدم هدفًا مزدوجًا يتمثّل في إبقاء إيران تحت ضغط نفسي مستمر، بينما يُترَك الباب مفتوحًا أمام تسوية سياسية لا تبدو الإدارة الأمريكية في عجَلة من أمرها للتخلّي عنها.
كذلك فإن الفارق بين مفهومَي الاتفاق والصفقة في الخطاب الإيراني ليس فارقًا لفظيًّا، بل يعكس شرطًا جوهريًّا تتمسك به طهران؛ إذ تسعى إلى تفاهُم طويل الأمد يراعي مصالح الطرفين معًا لا تسوية مُؤقَّتة قابلة للنقض في أيّ لحظة. وفي الوقت نفسه، فإنّ انتقال واشنطن من الاعتماد على العمليات العسكرية إلى تكثيف الضغط الاقتصادي يكشف أن المسار العسكري وحده لم يُحقِّق نتيجة حاسمة، ما دفَع الإدارة الأمريكية إلى إعادة توزيع أدواتها بدل التخلّي عن هدفها الأصلي.
الدرس الأعمق أن الطرفين يريدان اتفاقًا فعليًّا يُنْهي المواجهة، لكن كلًّا منهما يريد الوصول إليه من موقع المنتصِر لا المهزوم، وهذه الحلقة المُفرَّغة بين رغبة مشتركة في التسوية وإصرار مُتبادَل على شروط الانتصار هي ما يُطيل أمَد الأزمة أكثر من أيّ خلاف جوهري حول جوهرها.
