هرمز وباب المندب يُغيّران حسابات التجارة.. والموانئ أمام دور جديد
لوقتٍ طويل، كانت كفاءة سلاسل الإمداد تُقاس بالمسافة الأقصر، والتكلفة الأقل، والقدرة على تسريع حركة البضائع. لكنّ اضطراب الممرات البحرية الرئيسية يُعيد ترتيب هذه المعادلة؛ فالمسار الأرخص في الظروف الطبيعية قد يصبح الأكثر تكلفةً عندما يتعرّض للانقطاع، بينما تكتسب الطرق الأطول والموانئ البديلة قيمة أكبر إذا كانت قادرة على إبقاء التجارة مستمرة.
وتتّضح أهمية هذا التحوُّل مع تزامن الاضطراب في مضيق هرمز مع تصاعد المخاطر في باب المندب. ويكتسب الأخير أهميةً خاصةً؛ لأنه يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويُمثل مدخلًا رئيسيًّا لحركة التجارة المتَّجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وقد أدَّى تزايد المخاطر فيه خلال السنوات الماضية إلى دَفْع سفن إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما يرفع زمن الرحلات وتكاليف النقل.
هذا الواقع يرفع القيمة الاقتصادية للموانئ التي تستطيع استقبال التدفقات وإعادة توزيعها بعيدًا عن نقاط التوتر. الميناء أصبح جزءًا من قدرة الدولة على التعامل مع اضطرابات التجارة.
ولهذا تتّجه الاستثمارات إلى ربط الموانئ بشبكات طرق وأنابيب وخطوط نقل متعددة؛ بحيث لا يؤدي تعطل مسار بحري واحد إلى توقف الحركة بالكامل. وتتحرَّك الإمارات بالفعل لتطوير قدرات الموانئ الشرقية وخطوط الأنابيب والممرات التجارية البديلة لتقليل الاعتماد على هرمز، في تحوُّل يعكس ارتفاع قيمة البنية اللوجستية التي تمنح التجارة خيارات أكثر.
لكنّ التطورات الأخيرة تقدّم درسًا أكثر عمقًا: لا يكفي امتلاك طريق بديل، المطلوب امتلاك شبكة بدائل. التجارة التي تنتقل من هرمز إلى مسار آخر قد تواجه مخاطر مختلفة في باب المندب أو البحر الأحمر أو البنية التحتية البرية.
ويظهر ذلك مع التطورات الأخيرة حول باب المندب، بعدما وصل الحوثيون إلى جزيرة بريم الإستراتيجية، ما يزيد المخاطر على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. لذلك، تتّجه قيمة الاستثمار اللوجستي نحو التنويع: موانئ متعددة، طرق برية مترابطة، خطوط أنابيب تتجاوز نقاط الاختناق، قدرات تخزين، وربط أفضل بين الموانئ والأسواق الداخلية. والهدف ليس إلغاء الممرات التقليدية، بل منع تحوّل أيّ ممرّ واحد إلى نقطة توقف شاملة.
وهنا تتغير خريطة التجارة الخليجية تدريجيًّا، الموقع الجغرافي لم يَعُد ميزة ثابتة بذاته، بل أصبحت قيمته مرتبطة بقدرة المنطقة المحيطة به على توفير بدائل سريعة وآمِنَة وقابلة للتشغيل عند الأزمات. ومع استمرار اضطراب هرمز وباب المندب، يصبح الاستثمار في المرونة اللوجستية استثمارًا في استمرارية التجارة نفسها، وليس مجرد توسعة لقدرات النقل.
