الخميس, 10 أيلول / سبتمبر 2026

فساد التسليح في أوكرانيا.. حين يتحوَّل الدعم العسكري إلى سوق موازية للحرب

فساد التسليح في أوكرانيا.. حين يتحوَّل الدعم العسكري إلى سوق موازية للحرب
المشاهدات2
مقال رقم #611
Whatsapp
Facebook Share

في كل حرب تعتمد فيها دولة على تدفُّق مستمر من الدعم الخارجي، تنشأ حتمًا حوافز موازية للحوافز المعلنة للقتال؛ بحيث يتدفَّق المال بسُرعة أكبر من قدرة المؤسَّسات على مراقبته، يتحوَّل جزء من ذلك المال إلى مورد يُستثمر فيه بدل أن يُستهلَك في المعركة.

 

وهذا بالضبط ما تكشفه وثائق التدقيق الحكومية الأوكرانية التي وثَّقت خسارة نحو 1.2 مليار دولار خلال عام 2024 وحده بسبب الاحتيال والهدر في المشتريات العسكرية، ونحن هنا لسنا أمام خلل إداري عابر، بل أمام بنية اقتصادية موازية نشأت داخل جسم الحرب نفسها، وتغذَّت من استمرارها لا من انتهائها.
 
المُؤشّر الأوضح على هذه البنية هو ما وصفته تقارير التدقيق بـ"حصانة الفشل": من بين أكبر عشرة مُتعاقِدين عسكريّين، حصلت سبع شركات على عقود جديدة برغم إخفاقها الموثَّق في تنفيذ التزامات سابقة أو خضوع مسؤوليها لتحقيقات جنائية بالفساد.

 

وهذا النمط لا يمكن تفسيره بوَصْفه أخطاء إدارية مُتكرّرة؛ فتكرار مكافأة الفشل بهذا الحجم يشير إلى أن معيار منح العقود لم يَعُد الكفاءة أو القدرة الإنتاجية، بل شبكة علاقات ومصالح مُستقلَّة عن نتائج الأداء الفعلي، وحين يصبح الفشل مؤهلًا لعقد جديد بدل أن يكون سببًا لإقصاء، فإن ذلك يعني أن النظام لا يعاقب الانحراف، بل بات يستوعبه كجزءٍ من طريقة عمله.
 
كما تكشف حالة "ملك المتفجرات" ليونيد شيمان، منطقًا أعمق من قصة فساد فردية؛ فحصول مصنعه على عقد بقيمة 280 مليون دولار بينما كان مُفرجًا عنه بكفالة في قضايا احتيال سابقة، ثم تسليمه 233 ألف قذيفة هاون معيبة، ثم حصوله لاحقًا على عقد احتكاري جديد، يُوضّح أن الدولة في حالة الحرب تواجه مُعضلة بنيوية؛ ألا وهي أن القدرة الإنتاجية المحلية محدودة، والحاجة للتسليح عاجلة، وهذا التوتر بين النُّدرة والاستعجال هو ما يمنح المورّدين ذوي السِّجل المشكوك فيه نفوذًا تفاوضيًّا يفوق ما قد يملكونه في ظروف طبيعية؛ لأن بديلهم غير متاح بالسرعة نفسها.
 
وتتَّضح الوظيفة الاقتصادية لهذه البنية الموازية بجلاء أكبر في نمط الوساطة؛ فحين تُبرَم صفقة بسعر 5100 دولار للصاروخ عبر وسيط، بينما يعرض المصنّع المباشر السعر نفسه بـ4200 دولار، لا يكون فرق السعر بسبب ضعف المعرفة بالسوق، بل يكون مقابل خدمات أخرى مثل سهولة الوصول، والعلاقات، وإنهاء الصفقة بسرعة ودون تعقيدات بيروقراطية. وهذا ما يُفسّر لماذا تنتشر الوساطة في اقتصادات الحرب تحديدًا أكثر من الأسواق العادية؛ فكلما ارتفعت حاجة المشتري للسرعة، انخفضت قدرته على المساومة على السعر، وارتفعت قيمة مَن يملك القدرة على تسريع الصفقة بغض النظر عن كفاءته الصناعية.
 
والأخطر من ذلك أن هذه البنية لا تكتفي بابتلاع الموارد المالية، بل تتحوَّل إلى قوة سياسية فاعلة تقاوم محاولات الإصلاح ذاتها؛ فإقالة وزير الدفاع الذي حاول مواجهة الفساد، وما وصفه لاحقًا من ضغوط مُورِسَت عليه من جماعات مرتبطة بمُتعهّدي العقود، يُوضّح أن شبكة المصالح هذه لم تعد طرفًا هامشيًّا يستفيد من فوضى الحرب، بل أصبحت طرفًا قادرًا على التأثير في قرارات تتعلَّق بإدارة الحرب نفسها. وهذا يُحوّل معركة مكافحة الفساد من قضية رقابة مالية إلى صراع نفوذ داخل مؤسسات الدولة العسكرية؛ حيث يصبح الإصلاح نفسه مُكلفًا سياسيًّا.
 
ويكمن الدرس الأعمق في أن الحرب المعتمدة على دعم خارجي مُكثَّف تخلق مصلحة اقتصادية ذاتية في استمرارها لدى فئة من المستفيدين لا علاقة لهم بأهداف القتال نفسه. فبقدر ما يطول أمد الحرب وتتضخَّم موازنات التسليح، تتوسَّع الشبكة التي تتغذَّى من هذا التدفُّق، وتصبح أكثر قدرةً على حماية نفسها من المساءلة، وهذا ما يجعل إصلاح منظومة المشتريات العسكرية في أي حرب طويلة مهمة لا تقل صعوبةً عن إدارة المعركة ذاتها؛ لأن الخصم هنا ليس جيشًا مُعاديًا، بل بنية داخلية تكتسب، كلما طال أمد الصراع، مناعةً أكبر ضد أي محاولة لتفكيكها.

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media