الأربعاء, 09 أيلول / سبتمبر 2026

اتصال بوتين وترامب.. حين يصبح تكرار المكالمة نفسها هو الرسالة

اتصال بوتين وترامب.. حين يصبح تكرار المكالمة نفسها هو الرسالة
المشاهدات1
مقال رقم #617
Whatsapp
Facebook Share

من المفارقات المُتكرّرة في مسار التفاوض الأمريكي الروسي؛ أن قيمة كل اتصال هاتفي بين ترامب وبوتين لا تُقاس بمضمونه، بل بموقعه من سلسلة اتصالات سابقة لم تُثمر بعد عن نتيجة ملموسة؛ فحين أجرى الرئيسان مكالمة استمرَّت نحو ساعة لبحث سُبُل إنهاء الحرب في أوكرانيا، ووَصَفها مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف بأنها كانت بنَّاءة وصريحة للغاية، لم يكن جوهر الحدث ما قيل في المكالمة، بل جاءت كحلقة إضافية في سلسلة طويلة من التصريحات المتشابهة التي تسبق كل جولة تفاوض دون أن تُترجَم إلى تحوُّل فعلي في مسار الحرب.
 
يكشف توقيت المكالمة عن وظيفتها الحقيقية أكثر ممَّا يكشفه مضمونها المعلن؛ إذ جاءت مباشرةً عقب جولة المبعوثين الأمريكيّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو وكييف، لتناقش نتائجها لا لتطرح مبادرة جديدة مستقلة عنها.

 

وهذا الترتيب يُوضّح أن الاتصال الرئاسي المباشر بات يُؤدّي وظيفة إجرائية داخل بنية التفاوض؛ بحيث يعمل كغطاء سياسي رفيع المستوى يمنح جولة المبعوثين ثِقَلًا إضافيًّا، بدل أن يكون فعلًا تفاوضيًّا مستقلًّا يحمل مضمونًا جديدًا بذاته. وحين يتكرَّر هذا النمط، تصبح المكالمة الرئاسية جزءًا من طقوس التفاوض أكثر منها أداة تفاوض فعلية.
 
كما تستحق الصفة التي اختارها الجانب الروسي لوَصْف المكالمة وقفة تحليلية مُستقلّة؛ فوَصْفها بأنها بنَّاءة وصريحة للغاية هو نمط لغوي يتكرَّر في أغلب البيانات الرسمية عقب لقاءات لم تفضِ إلى اتفاق ملموس؛ بحيث تحوّل هذه الصفات الإيجابية إلى مفردات وظيفية تخدم غرضَين متزامنَين، الحفاظ على صورة انفتاح روسي على التفاوض من جهة، وتجنُّب الالتزام بأي تفصيل قابل للمساءلة لاحقًا من جهةٍ أخرى. وهذا التوازن الدقيق بين الإيجابية اللفظية والغموض المضموني هو سمة مُتكرّرة في خطاب الأطراف المتحاربة حين تكون مصلحتها في إظهار التقدُّم أكبر من مصلحتها في تحقيقه فعليًّا.
 
والأهم من ذلك أن تأكيد ترامب رغبته في إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، لم يترافق حتى الآن مع تحديد آلية تنفيذية واضحة تُحوّل هذه الرغبة إلى مسار زمني مُلزم لأي طرف. وهذا الفارق بين الإعلان عن نية والالتزام بجدول زمني مُحدَّد يُفسّر لماذا يمكن لملف تفاوضي أن يشهد عشرات التصريحات عن قرب الحل دون أن يقترب فعليًّا من نهايته؛ فالإعلان عن النية يخدم حاجة سياسية آنية، بينما الالتزام بجدول ملموس يتطلب تنازلات فعلية من طرف واحد على الأقل، وهو ما لا يزال غائبًا عن هذه المرحلة من المسار.
 
ويكمن جوهر الإشكال في أن الاتصالات الرئاسية المباشرة بين موسكو وواشنطن أصبحت مُؤشرًا على استمرار القناة التفاوضية أكثر مما تعمل كأداة لإنتاج تسوية؛ فوظيفتها الأساسية باتت طمأنة الأطراف والمراقبين إلى أن المسار لم ينهر، لا الدفع بحَلٍّ جديد إلى الطاولة؛ وهذا ما يُفسّر لماذا تحرص كل من موسكو وواشنطن على إعلان تفاصيل هذه المكالمات بسرعة وبلُغة إيجابية، بغَضّ النظر عن مضمونها الفعلي؛ لأن استمرار ظهور هذه الاتصالات في الإعلام يخدم مصلحة الطرفَين في تصوير العملية التفاوضية كمسارٍ حيّ، حتى حين تكون النتائج الفعلية على الأرض مُتجمّدة.
 
والدرس الأعمق هنا هو أن تكرار الاتصالات الرئاسية دون تغيُّر جوهري في المواقف يُحوّل هذه الاتصالات إلى موضوع تحليل أكثر من كَوْنها وسيلةً لحل الأزمة؛ فحين يصبح نمط التواصل بين القادة قابلًا للتنبؤ إلى هذا الحد، يصبح السؤال الأهم ليس ماذا قيل في هذه المكالمة تحديدًا، بل لماذا يحتاج الطرفان إلى تكرار هذا الطقس السياسي بشكلٍ دوريّ رغم غياب أي مُؤشّر على أنه يقرب فعليًّا من نهاية الحرب.

وهذا بالتحديد ما يُميّز المفاوضات التي تُدار لإدامة عملية سياسية عن تلك التي تسعى إلى إنهاء صراع قائم.
 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media