الأحد, 06 أيلول / سبتمبر 2026

زيارة كوشنر وويتكوف إلى موسكو.. لماذا يظل البروتوكول أسهل من التسوية؟

زيارة كوشنر وويتكوف إلى موسكو.. لماذا يظل البروتوكول أسهل من التسوية؟
المشاهدات1
مقال رقم #572
Whatsapp
Facebook Share

من الملاحظ في مسار الوساطة الأمريكية بين موسكو وكييف، أن أصعب ما فيه ليس الوصول إلى طاولة التفاوض، بل تجاوزها إلى نتيجة.

فمُنذ عاد ملف أوكرانيا إلى الواجهة مع إدارة ترامب الثانية، تكرَّرت اللقاءات بين مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر من جهة، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين من جهةٍ أخرى، أكثر من مرَّة، دون أن تفضي أي منها إلى ما يتجاوز "أجواء إيجابية" و"محادثات مفيدة". وهذا النمط نفسه هو ما يستحق التوقُّف عنده أكثر من تفاصيل أي جولة بعينها: لماذا تتكرَّر اللقاءات الطويلة والودية، بينما يبقى جوهر الخلاف كما هو؟

 

الإجابة تبدأ من طبيعة الأطراف المعنية بالتفاوض نفسها؛ فواشنطن، في هذا الملف، تتصرَّف كوسيط يحمل مصلحة سياسية في إظهار تقدُّم، سواء لتلميع صورة الإدارة أو لتخفيف الضغط الدولي، أكثر من كَوْنها طرفًا يملك أدوات ضغط حاسمة على أي من الجانبَين.

 

وموسكو، في المقابل، وجدت في هذه اللقاءات وسيلةً لإعادة تأهيل صورتها الدولية دون أن تُضطرّ لتقديم تنازلات فعلية؛ فاستقبال بوتين للمبعوثين بحفاوة، وحديثه عن "الثقة الكاملة" في الوساطة الأمريكية، يخدم رواية أن روسيا مُنفتِحة على السلام، بينما يترك التفاصيل الجوهرية، الاعتراف بالأراضي، ومستقبل الناتو، وضمانات الأمن، مُعلَّقة كما كانت.

 

وهنا يظهر نمط مُتكرّر في هذا الملف تحديدًا: كل جولة مفاوضات تقترن بتصعيد ميداني موازٍ؛ فحين تشتد وتيرة الضربات قبيل أي زيارة دبلوماسية، لا يكون ذلك تناقضًا عارضًا، بل جزءًا من منطق التفاوض نفسه؛ إذ يسعى كل طرف إلى الدخول إلى الطاولة من موقع قوة، لا من موقع طالب هدنة. وَقْف الضربات المؤقَّت الذي يُعلن عادةً قبيل هذه الزيارات ليس مؤشر تهدئة إستراتيجية، بل ترتيب تكتيكي محدود زمنيًّا ومكانيًّا، يهدف إلى تأمين مرور الوفد لا لتغيير مسار الحرب.

 

اللافت أيضًا أن هذا المسار التفاوضي بات يراكم رمزية أكبر من مضمونه؛ فكل "أول" جديد، أول زيارة لكييف منذ بداية الولاية، أول طائرة دولية تهبط في أوكرانيا منذ اندلاع الحرب، يُقدَّم بوَصْفه اختراقًا، بينما هو في جوهره خطوة إجرائية تتعلَّق باللوجستيات والبروتوكول أكثر من كونها تحولًا في موازين المفاوضات.

وهذا الفارق بين الرمزية الإعلامية والمضمون الفعلي هو ما يُفسّر لماذا يمكن لجولة مفاوضات أن تبدو "تاريخية" في يومها، ثم تُنسَى بعد أسابيع قليلة حين لا يترتَّب عليها شيء ملموس.

 

وما يُعمّق هذا الإشكال أن الطرفَين الأساسيَّين في الحرب، موسكو وكييف، يخوضان هذه الجولات بمنطقين مُتعارضَين جوهريًّا لا إجرائيًّا فقط؛ فمطالب موسكو التاريخية بالاعتراف بضم أراض أوكرانية وتحييد أوكرانيا عسكريًّا تُمثّل بالنسبة لها خط أساس لا يتغيَّر بتغيُّر الوسيط أو أسلوبه، بينما ترى كييف أن أيّ تنازل عن سيادتها يُهدّد وجودها السياسي نفسه، لا مجرد مصالحها الإقليمية. وحين يكون الخلاف بهذا العمق، فإن دور الوسيط، مهما بلغت كفاءته أو نيَّته الحسنة، يتحوَّل من صانع تسوية إلى مدير لعملية مفتوحة، هدفها الأساسي منع الانهيار الكامل للتواصل أكثر من تحقيق اختراق فعلي.

 

من هنا يمكن فَهْم لماذا تحتفظ هذه اللقاءات بقيمتها رغم تكرار فشلها في إنتاج نتيجة: فمُجرَّد استمرار القناة مفتوحة بين واشنطن وموسكو من جهة، وبين واشنطن وكييف من جهةٍ أخرى، يمنح الأطراف الثلاثة هامشًا لتفادي التصعيد الأقصى، حتى لو لم يقترب أحد من حل جذريّ.

وهذا بالضبط ما يجعل الوساطة الأمريكية أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد منها إلى مسار تفاوضي يتَّجه نحو نهاية مُحدَّدة.

 

والدرس الأعمق هنا لا يتعلَّق بجولة بعينها، بل بطبيعة الحروب التي تتجاوز فيها المصالح الإستراتيجية للأطراف قدرة أي وساطة خارجية على فرض تسوية؛ فحين تكون الأرض والسيادة والأمن القومي على المحك بالنسبة للطرفَين المتحاربين، يصبح البروتوكول الدبلوماسي بديلًا مؤقتًا عن التسوية، لا طريقًا مختصرًا إليها. وهذا ما يُفسّر لماذا قد تبدو كل جولة جديدة من هذه اللقاءات أشبه بإعادة إنتاج للمشهد نفسه أكثر من كَوْنها خطوةً إلى الأمام.

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media