الاثنين, 07 أيلول / سبتمبر 2026

لماذا تصبح الهدنة أداة تفاوُض لا نتيجة له؟

لماذا تصبح الهدنة أداة تفاوُض لا نتيجة له؟
المشاهدات1
مقال رقم #594
Whatsapp
Facebook Share

في كل حرب طويلة تتحوّل فيها المفاوضات إلى مسار متكرّر لا إلى حدث واحد، يظهر نمَط لافت: وقف إطلاق النار، بدل أن يكون غاية يُسعَى إليها، يتحوّل إلى أداة تُستخدَم لخدمة التفاوض نفسه.

فحين تُعلن كييف استعدادها لوقف ضرباتها على موسكو بالتزامن مع وصول مبعوثين أمريكيين، ويرد الكرملين بقرار مماثل يشمل كييف، لا يكون ذلك تعبيرًا عن تقارب في المواقف، بل عن اتفاق ضمني على قواعد تشغيلية لإدارة عملية التفاوض ذاتها.

وهذا الفارق بين هدنة تُنهي القتال وهدنة تخدم اجتماعًا هو ما يُفسِّر لماذا يمكن لحرب أن تشهد عشرات "وقف إطلاق النار" الجزئية دون أن تقترب خطوة واحدة من نهايتها.
 
السبب في ذلك أن وقف إطلاق النار المرتبط بزيارة دبلوماسية لا ينبع من تغيُّر في حسابات الطرفين المتحاربين، بل من حاجة عملية بحتة: تأمين تنقُّل وفد، أو حماية اجتماع، أو منع وقوع حادث ميداني يؤدي إلى فشل جولة تفاوض بأكملها.

وبما أن الدافع لوقف النار خارجي ومؤقّت بطبيعته؛ فإن انتهاءه يكون بالقَدْر نفسه من التلقائية؛ إذ يعود المشهد الميداني إلى حالته السابقة بمجرد انتهاء الغرض الذي استُدْعِي القرار من أجله.

 

وهذا ما يميّز هذا النوع من الهدنة عن وقف إطلاق النار الإستراتيجي، الذي ينبني على حسابات تتعلق بموازين القوى أو الإنهاك العسكري أو ضغط داخلي، لا على جدول زيارة محددة سلفًا.
 
كما أن الطابع المتبادَل لهذه الإجراءات؛ أي: التزام طرف بالمقابل مع توقُّعه أن يلتزم الطرف الآخر بالمثل، يكشف طبيعة العلاقة بين المتحاربين في مراحل التفاوض غير المباشر.

فحين لا يكون هناك تواصل مباشر بين الطرفين، يصبح الوسيط هو القناة الوحيدة التي تُدار من خلالها حتى أبسط الترتيبات الميدانية؛ أي أن وقف إطلاق النار المؤقّت لا يعكس تفاهمًا ثنائيًّا بقَدْر ما يعكس اعتماد الطرفين المتبادَل على طرف ثالث لإدارة أدقّ تفاصيل عدائهما. وهذا بالتحديد ما يجعل مثل هذه الهدنة مؤشرًا على استمرار حالة انعدام الثقة، لا على تجاوزها.
 
والأخطر من ذلك أن تكرار هذا النمط عبر جولات تفاوض متعاقبة يُنتج ما يمكن تسميته "تطبيعًا إجرائيًّا للحرب": يتعلّم الطرفان كيف يُوقِفان القتال مؤقّتًا كلما اقتضت الحاجة الدبلوماسية ذلك، دون أن يتطوّر هذا التعلم إلى قدرة على وقف القتال بشكل دائم. فالمهارة التي تُكتسَب هنا ليست مهارة صُنْع السلام، بل مهارة إدارة الحرب بما يخدم استمرار مسار تفاوضي لا يُراد له أن ينهار كليًّا، ولا أن يصل إلى نتيجة حاسمة. وبهذا المعنى، تتحوَّل الهدنة القصيرة إلى جزء من بنية الحرب نفسها، لا استثناءً منها.
 
ومن هنا يمكن فهم لماذا تفشل هذه الإجراءات، مهما تكررت، في الانتقال نحو تسوية أوسع؛ فالتراكم يفترض أن كل خطوة تُبنَى على ما قبلها ضمن مسار تصاعدي نحو هدف واضح، بينما ما يحدث هنا هو تكرار أُفقي لنفس النمط: هدنة محدودة، زيارة، عودة إلى القتال، ثم هدنة جديدة عند الزيارة التالية. وغياب البُعْد التراكمي هذا هو ما يُفسِّر السؤال الذي يتكرَّر في كل حرب طويلة: كيف يمكن أن تستمر مفاوضات لسنوات دون أن تقترب من نهاية، رغم كل مظاهر "التقدم" التي تُعلَن بعد كل جولة؟
 
الدرس الأعمق هنا يتجاوز أيّ حرب بعينها: فكلما تحوَّلت الهدنة إلى أداة تخدم استمرار عملية التفاوض بدل أن تكون نتيجة له، كلما أصبح التفاوض نفسه غاية تُدار لذاتها، لا وسيلة لإنهاء الصراع. وهذا ما يُفسِّر لماذا تصبح بعض الحروب "قابلة للتفاوض إلى ما لا نهاية" دون أن تكون قابلة للحل؛ لأن آلية التفاوض ذاتها قد تطوَّرت لتستوعب استمرار الحرب أكثر مما طوّرت أدوات لإنهائها.

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media