حين يتراجع الطلب أسرع من العرض ويظل العجز قائمًا: مفارقة سوق النفط في 2026
المنطق الاقتصادي البسيط يقول: إن تراجُع الطلب على أيّ سلعة يُفترض أن يُخفّف الضغط عن أسعارها ويُقرّب السوق من التوازن.
لكن وكالة الطاقة الدولية تكشف في تقريرها الأخير عكس ذلك تمامًا؛ إذ رفعت توقعاتها لانكماش الطلب العالمي على النفط في 2026 من 1.6 مليون برميل يوميًّا إلى 2.5 مليون برميل يوميًّا، ومع ذلك اتَّسع عجز السوق المتوقَّع من 1.27 مليون برميل يوميًّا إلى 1.74 مليون برميل يوميًّا.
هذا التناقض الظاهري بين تراجع الطلب واتّساع العجز في آن واحد يكشف حقيقة جوهرية تحكم أسواق الطاقة في أوقات الأزمات، وهي أن العرض قد ينهار بوتيرة أسرع بكثيرٍ من الطلب؛ بحيث يصبح تباطؤ الاستهلاك عاملًا مخففًا للعجز، لا سببًا في اختفائه.
فمُتوسّط الإمدادات العالمية من النفط مُتوقَّع أن يبلغ 100.7 مليون برميل يوميًّا هذا العام، بانخفاض 5.7 مليون برميل يوميًّا مقارنةً بعام 2025. وهذا الرقم يفوق بكثير مقدار الانكماش في الطلب، رغم أن الطلب نفسه يتراجع بمُعدّلات لم تكن متوقعة قبل أشهر قليلة.
وترجع الوكالة هذا التراجع الحاد في العرض إلى استمرار توقُّف الملاحة عبر مضيق هرمز وتعثُّر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران؛ ما أخَّر التعافي الكامل لإمدادات منتجي الخليج إلى عام 2027 بدلًا من التوقعات الأقرب التي سادت في وقت سابق.
وهذا يعني أن جانب العرض في هذه الأزمة ليس نتاج قرار إنتاجي طوعي يمكن التراجع عنه بسرعة، بل نتيجة اضطراب جيوسياسي ممتد يصعب توقُّع نهايته بدقَّة.
كذلك، فإن تراجُع الطلب نفسه لا يعكس ضعفًا اقتصاديًّا عامًّا بقدر ما يعكس أثرًا مباشرًا للأزمة ذاتها التي تُسبّب تراجع العرض؛ فالخسائر تتركَّز في المشتقات المتوسّطة والمواد الأولية البتروكيماوية، خصوصًا في آسيا، وهي قطاعات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأسعار الوقود المرتفعة الناتجة عن شح الإمدادات نفسه.
وهذا الترابط السببي يُفسّر لماذا لا يمكن قراءة تراجع الطلب كخبر مطمئن يُخفّف الأزمة؛ ذلك لأن هذا التراجع هو أحد أعراض الأزمة نفسها، فالمستهلِكون يُقلّصون استهلاكهم لأن الأسعار مرتفعة بفعل شح المعروض، لا لأن اقتصاداتهم تتباطأ بمعزل عن أزمة الإمدادات.
واللافت أن وتيرة تراجع الطلب نفسها تتباطأ تدريجيًّا عبر أرباع السنة، من 5.3 مليون برميل يوميًّا في الربع الثاني إلى 3.4 مليون في الربع الثالث، ثم 2 مليون مُتوقّعة في الربع الرابع. هذا التباطؤ في وتيرة الانكماش لا يعني أن الأزمة تنحسر، بل يشير إلى أن الاقتصادات بدأت تتكيَّف تدريجيًّا مع مستوى الأسعار المرتفع الجديد، عبر تعديل أنماط الاستهلاك بدلًا من الاستمرار في الانكماش الحاد الذي ميَّز الأشهر الأولى من الأزمة. وهذا التكيُّف التدريجي، وإن بدا مؤشرًا إيجابيًّا سطحيًّا، يحمل في جوهره دلالة أكثر قلقًا؛ إذ يعني أن جزءًا من هذا الطلب المفقود قد لا يعود حتى بعد انتهاء الأزمة، كَوْنه استُبدِل بأنماط استهلاك أقل اعتمادًا على الوقود بفعل الضرورة لا الاختيار.
وفي الوقت نفسه، تلعب المخزونات العالمية دورًا حاسمًا في امتصاص هذا العجز المتراكم؛ إذ انخفضت بمقدار 95 مليون برميل إضافية في أغسطس وحده، ليصل إجمالي السحب من المخزونات منذ بداية الحرب إلى 507 ملايين برميل، بمُعدّل يومي يقارب 2.8 مليون برميل. وتُحذّر الوكالة من أن هذه المخزونات، رغم دورها المحوري في موازنة السوق حتى الآن، أصبحت آخذة في التقلص بينما يعمل نظام التكرير العالمي عند أقصى طاقته تقريبًا.
وهذا يعني أن هامش المناورة الذي وفَّرته المخزونات للأسواق خلال الأشهر الماضية يضيق تدريجيًّا؛ بحيث تصبح كل زيادة إضافية في العجز أكثر خطورةً مما كانت عليه في بداية الأزمة، كَوْن احتياطي الأمان الذي كان يمتص الصدمات السابقة لم يَعُد بالوفرة نفسها.
الدرس الأعمق هنا يتجاوز أزمة النفط الحالية بذاتها؛ فحين تتشابك أزمة عرض جيوسياسية المنشأ مع استجابة طلب اقتصادية المظهر، يصبح قياس صحة السوق بمؤشر واحد مُضللًا بطبيعته، إذ يمكن أن يتراجع الاستهلاك بشكلٍ حادّ دون أن يعني ذلك اقتراب السوق من التوازن، طالما أن جانب العرض يتراجع بمعدل أسرع.
وهذا ما يُفسّر تأكيد الوكالة أن الحاجة إلى تقدُّم فعلي في حل الصراعَين في الشرق الأوسط وبين روسيا وأوكرانيا أصبحت أكبر من أي وقتٍ مضى؛ ذلك لأن أي حل سياسي لهذين الملفَين يُمثّل المتغير الوحيد القادر على إعادة ضخ عرض حقيقي إلى السوق، بينما تظل كل الأدوات الاقتصادية الأخرى وسائل مُؤقَّتة لتأجيل مواجهة عجز لا يمكن حَلّه إلا من مصدره الأصلي.
