حين يتحوَّل الخط المستقيم إلى شبكة مفتوحة: منطق واحد يُفسّر انتقال أوروبا من نورد ستريم إلى هرمز
خط أنابيب واحد يمتد تحت بحر البلطيق يمكن حمايته أو قطعه بقرار واحد، بينما مَمرّ مائي دولي يعبره يوميًّا عشرات الناقلات من جنسيات مُتعدّدة لا يمكن التحكم فيه بالقرار ذاته.
هذا الفارق البنيوي البسيط هو ما يُفسّر جوهريًّا لماذا انتقلت أوروبا من أزمة طاقة كانت تُدار بمفاوضات ثنائية مع طرف واحد هو موسكو، إلى أزمة طاقة تُدار الآن عبر حسابات مُعقَّدة تشمل شركات تأمين وملَّاك سفن ودولًا مُتعدّدة لا علاقة مباشرة لأي منها بالنزاع الأصلي.
والانتقال من نورد ستريم إلى مضيق هرمز ليس تغييرًا في خريطة الموردين، بل هو تحوُّل في طبيعة المخاطرة نفسها، من مخاطرة مُحدَّدة المصدر وقابلة للتفاوض المباشر، إلى مخاطرة مُوزّعة جغرافيًّا وصعبة الاحتواء بقرار سياسي واحد.
فقبل الحرب، كانت روسيا تُوفّر نحو خمسة وأربعين بالمئة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، ومنحتها هذه الحصة نفوذًا سياسيًّا واقتصاديًّا مباشرًا يمكن تفعيله أو تعليقه وَفْق حسابات موسكو الخاصة.
وبعد توقُّف نورد ستريم وانفجار أجزاء من شبكته في سبتمبر 2022، اتّجهت أوروبا بقوة نحو الغاز الطبيعي المُسَال وتنويع المورّدين، فتراجعت حصة روسيا إلى نحو اثني عشر بالمئة بحلول 2025، بينما ارتفعت مساهمة الغاز المُسَال في واردات الاتحاد من عشرين إلى خمسة وأربعين بالمئة خلال الفترة ذاتها.
هذا التحوُّل حقَّق هدفه المُعلَن المتمثل في تقليص النفوذ الروسي المباشر، لكنه أنتج أثرًا جانبيًّا لم يكن حاضرًا بالوضوح ذاته في النقاش الأوروبي الأولي، وهو أن الغاز المُسَال يتطلب سلسلة كاملة من منشآت التسييل والناقلات المتخصّصة وموانئ الاستقبال والممرات البحرية الآمِنة، بخلاف الأنبوب الثابت الذي يربط نقطتين مُحدّدتين مباشرةً دون وسطاء إضافيّين.
كذلك، فإن هذا الانتقال من الأنابيب إلى الناقلات وَضَع مضيق هرمز، الذي تعبره أكثر من عشرين بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًّا ومعظمها قادم من قطر، في قلب معادلة أمن الطاقة الأوروبي بشكلٍ لم يكن قائمًا بالحدَّة ذاتها من قبل.
وحين تسبَّبت الحرب الأمريكية الإيرانية في اضطراب الملاحة داخل المضيق، لم يقتصر الأثر على الدول المستوردة مباشرةً من الخليج، بل امتد إلى السوق العالمية بأكملها؛ ذلك لأن أوروبا وآسيا تتنافسان على الناقلات والشحنات المتاحة ذاتها.
وهذا التنافس المباشر بين قارتَين مختلفتَين على المورد نفسه يُفسّر لماذا لا يحتاج المضيق إلى إغلاق كامل حتى تدخل الأسواق في حالة من الاضطراب، إذ يكفي تراجُع عدد السفن العابرة أو ارتفاع احتمالات تعرُّضها للهجوم لترفع شركات التأمين رسومها، ويتردَّد ملَّاك الناقلات في المخاطرة بأصولهم داخل المنطقة، وقد تراجعت حركة السفن التجارية في المضيق مطلع سبتمبر إلى ست سفن فقط مقابل متوسط بلغ اثنتي عشرة سفينة يوميًّا خلال الأيام العشرة السابقة.
واللافت أن هذا الاضطراب انعكس بسرعة على الأسعار الأوروبية ذاتها، إذ تجاوز سعر الغاز خمسة وسبعين يورو لكل ميغاواط ساعة، أيْ أكثر من ضعف مستواه في الفترة ذاتها من العام السابق، بينما استقرَّت مخزونات الغاز الأوروبية عند ستة وستين بالمئة فقط، وهو من أدنى المستويات المسجَّلة في هذا التوقيت منذ نحو خمسة عشر عامًا.
وهذا الانخفاض في المخزونات، المتزامن مع ارتفاع الأسعار، يكشف أن التنويع في مصادر الإمداد لم يترجم إلى مرونة أكبر في مواجهة الصدمات، بل نقل نوع الهشاشة من هشاشة الاعتماد على مورد سياسي واحد إلى هشاشة التعرض لاضطرابات مُتعدّدة ومتفرقة جغرافيًّا يصعب التنبؤ بتوقيتها أو مصدرها مُسبقًا.
وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع أسعار الغاز المُسَال أعاد فتح الباب أمام ما تبقَّى من الإمدادات الروسية، لا عبر استعادة موسكو لحصّتها السوقية السابقة، بل عبر منطق مختلف تمامًا، إذ لا تتحدَّد قيمة أي مورد في أسواق الطاقة بحجم الكميات التي يُقدّمها فقط، بل أيضًا بتكلفة البدائل ومدى سهولة الوصول إليها.
وكلَّما ازدادت ندرة الغاز المُسَال وارتفعت تكاليف نقله وتأمينه، ازدادت جاذبية أي خط أنابيب قائم وقادر على الإمداد المباشر دون المرور بسلسلة التعقيدات البحرية ذاتها، وهو ما استغلَّه الكرملين للترويج مجدّدًا لفكرة أن أوروبا تدفع ثمن قرارها السياسي بالابتعاد عن موسكو، مُستفيدًا بذلك من أزمة لم يتسبَّب فيها مباشرةً، لكنه يجني منها مكاسب خطابية واقتصادية واضحة.
الدرس الأعمق هنا يتجاوز أزمة الطاقة الأوروبية الحالية بذاتها؛ فحين تستجيب دولة أو تكتل اقتصادي لمخاطرة سياسية مُحدَّدة المصدر عبر تفكيك الاعتماد المباشر عليها، فإن هذا التفكيك لا يُلغي المخاطرة بقدر ما يعيد توزيعها على عدد أكبر من الفاعلين والممرات؛ بحيث يصعب حصرها أو التفاوض بشأنها مع طرف واحد بعينه.
والنتيجة أن نظام الطاقة الأكثر تنوعًا، رغم تفوُّقه من الناحية الإستراتيجية في تقليص النفوذ السياسي المباشر لأي مورد واحد، يصبح من الناحية التشغيلية أكثر حساسيةً تجاه أي اضطراب طارئ يقع في أي بقعة من العالم، بصرف النظر عن علاقتها المباشرة بالنزاع الذي دفع نحو هذا التنويع.
