مليونا ضحيَّة.. حين تصبح تكلفة الحرب الحقيقية غير مرئية على الخرائط العسكرية
مليون ونصف عسكري روسي بين قتيل وجريح، بحسب الجيش الأوكراني، ورقم مُماثِل من مركز أبحاث أمريكي يتحدَّث عن مليوني ضحية عسكرية من الطرفين. هذه الأرقام لا تختصر التكلفة الحقيقية للحرب؛ لأن الأثر الأعمق يظهر في مكان لا تلتقطه نشرات الأخبار اليومية، وهو التركيبة السكانية لبلدَين يخوضان هذه الخسائر البشرية فوق أزمة ديموغرافية كانت قائمة قبل اندلاع الحرب.
فروسيا التي بلغ عدد سكَّانها ذروته عند 148 مليونًا عام 1993 تراجعت إلى نحو 144 مليونًا، بينما انخفض عدد سكان أوكرانيا من قرابة 50 مليونًا إلى نحو 38 مليونًا، بمُعدّل تراجع يتجاوز 20%.
وحين تكون الفئة الأكثر تضررًا بالقتل والإصابة هي الشباب في سن الإنتاج والإنجاب، فإن الخسارة لا تقف عند مَن سقط فعلًا، بل تمتد إلى أُسَر لم تتشكَّل وأطفال لم يولدوا، وهو أثر لا يظهر في أي إحصاء رسمي مباشر.
والمفارقة أن هذه الحرب تقع في قارة تعاني من مُعدَّل خصوبة لا يتجاوز 1.34 طفل لكل امرأة، أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني البالغ 2.1؛ ما يعني أن الحرب لا تخلق أزمة ديموغرافية جديدة بقدر ما تُسرّع أزمة كانت مُتَّجهة نحو التفاقم.
الدرس هنا أن أفدح تكلفة الحروب الطويلة غالبًا ما تظهر بعد سنواتٍ من توقُّف القتال، حين تكتشف الدول أن ما خسرته ليس أرضًا أو مُعدّات، وإنما خسرت الجيل القادر على إعادة بنائها.
