الأربعاء, 16 أيلول / سبتمبر 2026

حين يتحوَّل التفنيد نفسه إلى سلاح كيف تستنزف موسكو الصحافة الأوروبية بطريقة الدمية الروسية؟

حين يتحوَّل التفنيد نفسه إلى سلاح كيف تستنزف موسكو الصحافة الأوروبية بطريقة الدمية الروسية؟
المشاهدات1
مقال رقم #682
Whatsapp
Facebook Share

مسؤول سويدي ينصح الصحفيين بتجاهل إحدى أخطر حملات التضليل الروسية النشطة في أوروبا حاليًّا. هذه النصيحة، الصادرة عن "ماغنوس هورت" مدير الوكالة السويدية للدفاع النفسي، لا تعني استخفافًا بالخطر، بل تكشف طبيعة تكتيك مختلف تمامًا عن التضليل المعتاد.

 

يُعرف هذا التكتيك باسم "ماتريوشكا"، نسبة إلى الدمية الروسية التي تحتوي على دمًى أصغر داخلها. ولا يهدف هذا الأسلوب إلى إقناع الجمهور بمحتوى كاذب مباشرةً، بل إلى دَفْع الصحفيين ومدققي الحقائق أنفسهم لمشاهدة المحتوى المضلّل ونشر تفنيد له، بحيث يتحوّل رد الفعل المهني الصحيح إلى الأداة التي تُحقّق للحملة انتشارها.
 
آلية هذا التكتيك، بحسب وصف هورت، تعتمد على إرسال رسائل تحمل عناوين مثيرة من نوع "انظروا ماذا يفعل الروس"، تدفع الصحفي لمشاهدة فيديو أو محتوى بعينه، ثم كتابة تقرير يُوضّح زيفه ونشره مرفقًا بالتفنيد.

لكن النتيجة العملية لهذا الجهد المهني هي إضاعة وقت الصحفي في التعامل مع محتوى مصمَّم أصلًا ليُكتشف زيفه، بينما ينتشر المحتوى نفسه أثناء عملية التفنيد ذاتها.

 

وهذا يعني أن نجاح الحملة لا يُقاس بمدى تصديق الجمهور لها، بل بحجم الجهد الذي تستنزفه من أجهزة مكافحة التضليل، بصرف النظر عن النتيجة التي يصل إليها ذلك الجهد.
 
كذلك فإن هذا الاستهداف لا يُوزَّع عشوائيًّا بين الدول الأوروبية. يوضّح هورت أن روسيا تمنح الأولوية للدول الكبرى وللاستحقاقات الانتخابية المهمة، وعلى رأسها الانتخابات الإقليمية والمحلية الألمانية المقبلة والانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة العام القادم.

وهذا الاختيار يكشف منطقًا واضحًا يتجاوز مجرد إثارة الفوضى، ذلك أن التأثير في انتخابات دولتين تقودان الاتحاد الأوروبي يحمل عائدًا أكبر بكثير من التأثير في استحقاقات أصغر في دول أقل ثقلًا.
 
واللافت أن أدوات هذا الاستهداف تتجاوز الحملات السياسية المباشرة. رَصَدت الوكالة السويدية شبكة أطلقت عليها اسم "شبكة العطلات"، بدأت نشاطها بمحتوى محايد عن السفر والرياضة، وأنتجت خلال عامي 2025 و2026 نحو خمسين ألف مشاركة وتعليق، قبل أن تتحوَّل تدريجيًّا إلى محتوى سياسي خلافي يتَّخذ مواقف متضاربة حول القضايا الحساسة.

 

وهذا الأسلوب التدريجي يمنح الحسابات مصداقية ظاهرية تراكمت عبر الزمن، بخلاف حسابات مُزيَّفة تُنشأ مباشرةً لغرض سياسي واضح ويسهل رَصْدها من اللحظة الأولى.
 
وفي الوقت نفسه، يتقاطع هذا التصعيد في التضليل الرقمي مع تصعيد موازٍ في التخريب المادي المباشر داخل ألمانيا نفسها، إذ تتزايد المخاوف الألمانية من هجمات بطائرات مسيّرة، إلى جانب حملات إلكترونية تتهم مرشحين للانتخابات بالفساد وارتكاب جرائم جنسية دون سند.

وهذا التزامن بين الجبهة الرقمية والجبهة المادية يوضّح أن الاستهداف الروسي المزعوم لا يقتصر على قناة واحدة، بل يعمل عبر طبقات متعدّدة في وقت واحد، بحيث لا يوقف فقدان إحدى القنوات الحملة بأكملها.
 
الدرس الأعمق هنا يتجاوز حملة ماتريوشكا نفسها. فحين يُصمَّم التضليل ليستهدف آليات الكشف والتفنيد ذاتها، لا الجمهور مباشرةً، تنقلب أدوات الدفاع المهني المعتادة إلى عبء إضافي على مَن يستخدمها.

ويصبح قياس النجاح في هذا المجال أصعب بكثير؛ إذ لا يكفي إثبات زيف المحتوى، بل يجب تقدير حجم الانتباه الذي مُنِحَ له أصلًا. وهذا يضع المؤسسات الديمقراطية أمام معضلة حقيقية؛ إذ يصبح الصمت أحيانًا استجابة أكثر فعالية من المواجهة المباشرة، رغم أن الصمت نفسه يحمل مخاطره حين يُترك المجال مفتوحًا دون أيّ تفنيد على الإطلاق.
 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media