الأربعاء, 16 أيلول / سبتمبر 2026

راجمة كورال الأوكرانية... حين يصبح التصنيع المحلي رهانًا إستراتيجيًّا لا تفصيلًا تقنيًّا

راجمة كورال الأوكرانية... حين يصبح التصنيع المحلي رهانًا إستراتيجيًّا لا تفصيلًا تقنيًّا
المشاهدات2
مقال رقم #680
Whatsapp
Facebook Share

شاحنة تشيكية مدنية الطراز، تحمل على متنها منصة إطلاق صاروخ مُصمَّم لاعتراض الأهداف الباليستية والكروز، هذا هو المشهد الذي اختارته أوكرانيا لتكشف من خلاله للمرة الأولى عن منظومة كورال، بعد مسار تطوير صامت استمر منذ عام 2016.

 

وهذا المزيج بين بساطة المنصة وتعقيد المهمة الموكلة إليها يختصر معضلة أعمق تواجهها كييف اليوم، وهي كيفية بناء قدرة دفاعية ذاتية وسط حرب تستنزف مواردها الصناعية يوميًّا.
 
يكمن أول أبعاد هذا التحوّل في توقيت الظهور نفسه؛ إذ يأتي كشف المنصة بعد سنوات من العمل الصامت على المشروع، في مرحلة تتزايد فيها المخاوف الأوكرانية من محدودية وتيرة وصول منظومات الدفاع الجوي الغربية، وعلى رأسها باتريوت، قياسًا بحجم الهجمات الجوية المستمرة.

 

وهذا التزامن بين تصاعد الحاجة الدفاعية وبين نُضْج مشروع محلي كان لا يزال في طور النماذج الأولية قبل سنوات قليلة؛ يوضّح أن أوكرانيا لا تنظر إلى التصنيع الذاتي كخيار بديل عن الدعم الغربي، بل كرافد مُوازٍ يهدف لتقليل هشاشتها أمام أيّ تأخُّر أو تردُّد في تسليم المنظومات الموعودة من الحلفاء.
 
كما تكشف طبيعة الصاروخ ذاته، وقدرته المعلنة على اعتراض الصواريخ الباليستية والكروز إلى جانب الطائرات المسيّرة والمروحيات، عن محاولة أوكرانية لبناء منظومة متعددة الأغراض تغطي طيفًا واسعًا من التهديدات الجوية بمنصة واحدة، بدل الاعتماد على منظومات متخصصة منفصلة لكل نوع تهديد.

 

وهذا الخيار التصميمي يعكس منطقًا اقتصاديًّا وعسكريًّا في آنٍ واحد؛ إذ يتيح توحيد خطوط الإنتاج والصيانة والتدريب حول نظام واحد قابل للتطوير التدريجي، وهو ما يُقلّل الاعتماد على تنوُّع لوجستي مُعقَّد يصعب إدارته في ظروف الحرب المستمرة.
 
والأهم من ذلك أن استخدام هيكل شاحنة مدنية الأصل كمنصة إطلاق، بدل تطوير منصة عسكرية متخصصة من الصفر، يُوضّح كيف تتكيَّف الصناعة الدفاعية الأوكرانية مع قيود الإنتاج في زمن الحرب.

فالاعتماد على شاسيه متوفّر تجاريًّا يسرّع الإنتاج ويُقلّل التكلفة ويسهل الصيانة الميدانية، وهي اعتبارات تكتسب أولوية أعلى من الأداء النظري في الأمثل بيئةٍ تحتاج فيها كييف إلى نشر أكبر عدد ممكن من المنظومات في أقصر وقت متاح، لا إلى تطوير سلاح مثالي على المدى الطويل.
 
ويكمن جوهر الإشكال في أن نجاح مشروع كهذا لا يُقاس فقط بمواصفاته التقنية المعلنة، بل بمدى قدرة أوكرانيا على الانتقال من مرحلة العرض في المعارض الدولية إلى مرحلة الإنتاج الكمي الفعلي القادر على إحداث فارق ملموس في ميزان الدفاع الجوي.

فالفجوة بين تطوير نموذج ناجح وبين تصنيعه بأعداد كافية لتغطية احتياجات حرب مستمرة تظل تحديًا مستقلًّا بذاته، خاصةً في ظل استمرار الضغط على البنية التحتية الصناعية الأوكرانية نتيجة الاستهداف المباشر لمنشآت الإنتاج والطاقة.
 
والدرس الأعمق هنا هو أن الحروب طويلة الأمد تدفع الدول المنخرطة فيها، مهما بلغت درجة اعتمادها على حلفائها، إلى البحث عن هامش استقلالية تقني يحميها من تقلُّبات القرار السياسي لدى الجهات الداعمة. فكلما طال أمد الصراع وتزايدت أعباء الدعم الخارجي على الحلفاء أنفسهم، ازدادت قيمة أيّ قدرة تصنيعية محلية بوصفها تأمينًا إستراتيجيًّا ضد سيناريو تراجُع أو تباطؤ في تدفُّق السلاح المستورد، بغضّ النظر عن مدى قوة العلاقة القائمة حاليًّا بين الطرفين.
 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media