الاثنين, 14 أيلول / سبتمبر 2026

تحالف "ديكودر".. حين تتحوَّل الحرب إلى مختبر لإعادة تشكيل صناعة الدفاع الأوروبية

تحالف "ديكودر".. حين تتحوَّل الحرب إلى مختبر لإعادة تشكيل صناعة الدفاع الأوروبية
المشاهدات2
مقال رقم #655
Whatsapp
Facebook Share

من الظواهر المتكرّرة في الحروب الطويلة أن الطرف المتلقّي للدعم لا يظل مستهلكًا سلبيًّا له إلى الأبد، بل يتحوَّل في مرحلةٍ ما إلى مصدر خبرة يعيد تشكيل الجهة الداعمة نفسها؛ فحين أطلق الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا تحالفًا لتوسيع التعاون العسكري في صناعة المسيَّرات، عبر مشروع يحمل اسم ديكودر ويضم تسع شركات دفاعية أوروبية وتسع شركات أوكرانية، لم يكن الهدف المعلَن تزويد كييف بمزيدٍ من السلاح، وإنما نقل الخبرة الميدانية الأوكرانية المتراكمة في هذا النوع من الحروب إلى داخل القدرة الصناعية الأوروبية ذاتها.

 

وهذا الانعكاس في اتجاه تدفُّق المعرفة، من الطرف الأضعف عسكريًّا إلى الطرف الأقوى صناعيًّا، هو ما يستحق التوقُّف عنده أكثر من تفاصيل التحالف الفنية بحَدّ ذاتها.
 
فأوروبا، رغم امتلاكها قاعدة صناعية دفاعية راسخة تاريخيًّا، فإنها دخلت هذه الحرب دون خبرة عملية حديثة في مواجهة الاستخدام المكثَّف للمُسيَّرات الرخيصة على نطاق واسع، بينما راكمت أوكرانيا هذه الخبرة يوميًّا تحت ضغط قتالي مباشر لم تُتح مثله لأي جيش أوروبي منذ عقود.

 

وهذا الفارق بين معرفة نظرية مُتطوّرة ومعرفة ميدانية مُكتسَبة تحت النار هو ما يُفسّر لماذا اختارت بروكسل بناء هذا التحالف على أساس دمج الخبرات بدلًا من الاكتفاء بتصدير السلاح الجاهز؛ إذ أدركت أن القدرة الصناعية وحدها لا تكفي دون فَهْم دقيق لكيفية تطوُّر تكتيكات المسيَّرات واعتراضها في ميدان حقيقي.
 
كما يكشف الرقم الذي تسعى إليه المبادرة الأوسع المرتبطة بهذا التحالف، وهو الوصول إلى طاقة إنتاجية تقترب من عشرة ملايين مُسيَّرة، عن تحوُّل في فلسفة التسليح الأوروبية.

فبدلًا من التركيز التقليدي على منظومات باهظة التكلفة ومحدودة العدد، تتَّجه أوروبا نحو منطق الكم الكبير منخفض التكلفة، وهو منطق استخلصته من التجربة الأوكرانية التي أثبتت أن حجم الإنتاج وسرعة الاستبدال يمكن أن يوازيا أو يتفوَّقا أحيانًا على تطوُّر المنظومة الفردية الواحدة؛ ما يعني أن الحرب في أوكرانيا لم تَعُد ساحة اختبار للمُعدَّات الغربية، بل أصبحت مصدرًا يعيد تعريف الأولويات الصناعية والعسكرية داخل القارة الأوروبية.
 
والأهم من ذلك أن اتساع مبادرة ديكودر لتشمل 26 دولة أوروبية مع سعيها للوصول إلى 27 دولة، إضافةً إلى كندا وسويسرا وأوكرانيا، يُوضّح أن هذا التحالف لم يَعُد مبادرة ثنائية محدودة بين بروكسل وكييف، بل أصبح مشروعًا جماعيًّا يهدف إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية مشتركة تتجاوز حدود الدعم المباشر لأوكرانيا لتشمل حماية القارة الأوروبية بأكملها من التهديدات المستقبلية.

 

وهذا التوسُّع في نطاق المشاركين يعكس إدراكًا أوروبيًّا متزايدًا بأن مواجهة سلاح المُسيَّرات لم تَعُد قضية أوكرانية محصورة، بل أصبحت تحديًا أمنيًّا مشتركًا يفرض تنسيقًا صناعيًّا يتجاوز قدرة أي دولة منفردة على مواجهته.
 
ويكمن جوهر هذا التحول في أن الحرب أنتجت في المقابل رأسمالًا معرفيًّا فريدًا يصعب اكتسابه في زمن السِّلم، ويتمثَّل في فَهْم عملي دقيق لكيفية تطوُّر صراع المسيَّرات بين الهجوم والاعتراض في زمن قياسي.

 

وهذا الرأسمال المعرفي يمنح كييف موقعًا تفاوضيًّا غير تقليدي داخل هذا التحالف، إذ لم تَعُد طرفًا متلقّيًا للدعم، بل هي شريك تقنيّ تحتاج إليه الصناعات الدفاعية الأوروبية لتطوير أنظمتها المستقبلية.
 
والدرس الأعمق هنا هو أن الحروب الطويلة لا تُعيد تشكيل موازين القوى العسكرية المباشرة بين المتحاربين فقط، بل تُعيد تشكيل خرائط التعاون الصناعي والدفاعي بين الحلفاء البعيدين عن ساحة القتال المباشرة؛ فحين تتحوَّل تجربة دولة صغيرة نسبيًّا في مواجهة عدو أكبر إلى مرجعية تعيد بناء أولويات تحالف صناعي يضم عشرات الدول، فإن ذلك يعني أن قيمة الحرب الإستراتيجية لا تُقاس فقط بنتائجها الميدانية المباشرة، بل بما تتركه من أثر بنيويّ طويل الأمد في طريقة استعداد العالَم لحروب المستقبل.
 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media