حين يرفض طرف اللقاء الذي يطالب به الطرف الآخر منذ سنوات
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كرَّر في كييف موقفًا يحمله منذ فترة طويلة، وهو أن قضية الأراضي المتنازع عليها بين موسكو وكييف لا يمكن حَلّها إلا عبر اجتماع مباشر بين رؤساء الدول.
لكن هذا التكرار نفسه، الذي جاء عقب لقائه بمبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يكشف عن مفارقة أعمق من مُجرَّد موقف تفاوضي مُعلَن؛ إذ إن المطالبة المستمرة بلقاء يرفضه الطرف الآخر باستمرار تتحوَّل مع الوقت من أداة ضغط دبلوماسي إلى مُؤشّر على طبيعة الجمود الذي وصلت إليه محاولات التسوية نفسها.
اللافت أن إصرار زيلينسكي على حصر حل قضية الأراضي في مستوى القادة، لا في مستوى الوفود التفاوضية أو الوسطاء الدوليّين، يعكس قناعةً بأن أي اتفاق أدنى من هذا المستوى سيفتقر إلى الشرعية السياسية الكافية لصموده أمام الرأي العام الداخلي في أوكرانيا؛ فقضية التنازل عن أراضٍ محتلة تحمل ثقلًا سياسيًّا ورمزيًّا يصعب تفويضه لمبعوثين أو مستشارين.
ومن هنا يصبح اشتراط اللقاء الرئاسي المباشر وسيلةً لضمان أن أي قرار يُتَّخذ بشأنها يحمل أعلى درجة ممكنة من المسؤولية السياسية المباشرة، بدلًا من تقديمه كنتيجة تفاوض فني قابل للتنصل منه لاحقًا.
كذلك، فإن رفض الكرملين المتكرّر لهذا اللقاء يكشف عن حسابات مختلفة تمامًا لدى الجانب الروسي؛ إذ يبدو أن موسكو ترى في تأجيل القمة الرئاسية أداةً للحفاظ على مرونة تفاوضية أكبر، بينما يفتح أي التزام مباشر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بلقاء نظيره الأوكراني بابًا صعب الإغلاق إذا لم تتحقَّق المكاسب الميدانية أو السياسية التي تسعى إليها روسيا أولًا. وهذا التباين في تقدير جدوى اللقاء الرئاسي بين الطرفَين يُفسّر لماذا يبقى الاجتماع الذي يطالب به زيلينسكي مطلبًا مُعلقًا منذ فترة طويلة، دون أن يتحوَّل إلى خطوة فعلية، بالرغم من تكرار الدعوة في كل محطة تفاوضية جديدة.
وفي الوقت نفسه، فإنّ التزامن بين تصريح زيلينسكي وتقييم إيجابي قدَّمه مسؤولون أمريكيُّون وروس لاجتماع استمرّ ثلاث ساعات بين مبعوثي ترامب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف والرئيس الروسي، يُوضّح أن المسار التفاوضي يتحرَّك حاليًّا على مستويَين منفصلَين لا يلتقيان بعد.
فبينما يجري تقدُّم ملموس على مستوى الوسطاء الأمريكيّين مع كلٍّ من كييف وموسكو بشكلٍ منفصل، يبقى المستوى الأعلى المتمثّل في لقاء مباشر بين الرئيسَين حبيس الرفض الروسي المستمر.
وهذا الفصل بين مسار الوساطة النَّشط ومسار القمة الرئاسية المجمّد يعني أن التقدم الدبلوماسي يظل عاجزًا عن الوصول إلى القضايا الأكثر حساسيةً طالما بقيت هذه القضايا مرهونةً بلقاء لا يريد أحد طرفيه عقده بعد.
أمَّا إشارة زيلينسكي إلى أن الحرب ستستمر حتى الشتاء المقبل، بحسب ما نقلته تقارير مُتعدّدة عن تصريحاته في السياق ذاته، فتكشف أن استمرار المطالبة بلقاء رئاسي لا يتناقض مع الاستعداد الموازي لإطالة أمد المواجهة العسكرية؛ فأوكرانيا تدير مسارَين متوازيَين لا يلغي أحدهما الآخر، إذ تستمر في الدفع باتجاه تسوية سياسية عبر القنوات الدبلوماسية، بينما تستعد في الوقت ذاته لفصل شتوي جديد من القتال؛ وهذا يعكس منطقًا واقعيًّا يقوم على عدم الرهان على مسار واحد في ظل عدم اليقين بشأن جدوى أيّ منهما منفردًا.
الدرس الأعمق الذي تكشفه هذه المعادلة يتجاوز حدود المفاوضات الأوكرانية الروسية بعينها؛ إذ يُوضّح أن المطالبة العلنية المتكرّرة بلقاء أو اجتماع تفاوضي، تتحوَّل تدريجيًّا من أداة تفاوضية فعَّالة إلى مؤشّر بنيوي على غياب الاستعداد الحقيقي لدى أحد الأطراف لحسم القضايا الجوهرية. فكلَّما طال أمد تكرار هذه المطالبة دون استجابة، ازداد وضوح أن القضية المتنازع عليها ليست عالقة بسبب صعوبة تقنية في الوصول إلى طاولة الحوار؛ بل لأن أحد الأطراف يرى في تأجيل هذا الحوار مصلحةً إستراتيجية أكبر من مصلحة الدخول فيه في التوقيت الراهن.
