حين يتوازن الخام ويظل الوقود شحيحًا.. الأزمة التي لا تراها أرقام الإنتاج
سوق النفط الخام تقترب من التوازن بحسب كبار المتداولين أنفسهم، بينما تعيش أسواق المنتجات المكرَّرة كالديزل أزمة أعمق من أي وقتٍ مضى في العام الحالي. هذا التناقض الظاهري، الذي عبَّر عنه الرئيس التنفيذي لشركة فيتول راسل هاردي في مؤتمر آبيك للطاقة في سنغافورة، يكشف عن حقيقة كثيرًا ما تغيب عن القراءات المبسَّطة لأزمات الطاقة؛ وهي أن استقرار كمية النفط الخارج من الأرض لا يعني بالضرورة استقرار ما يصل فعليًّا إلى مُحرّكات السيارات وخزانات التدفئة؛ وذلك لأن المسافة بين استخراج البرميل واستهلاكه النهائي محكومة بطبقة كاملة من القدرات الصناعية والتجارية القابلة للاختناق بمَعزِل تام عن وفرة الخام نفسه.
التدفقات عبر مضيق هرمز واصلت التعافي، إذ بلغ مُتوسّطها نحو ثمانية ملايين برميل يوميًّا بحسب تصريحات وزير الطاقة الأمريكي، فيما تشير تقديرات فيتول إلى أن طاقة المضيق القصوى تصل إلى عشرة ملايين برميل يوميًّا.
لكن هاردي نفسه يحرص على التمييز بين رقمَين مختلفَين تمامًا في دلالتهما؛ إذ إنّ توفُّر هذه الطاقة النظرية لا يعني ضمان خروجها فعليًّا كل يوم، كَوْن العملية بأكملها مُتوقّفة على توفُّر السفن الصالحة والتأمين البحري ووجود القباطنة والطواقم المستعدة لخوض هذه المَهمّة في منطقة ما زالت تحت تهديد أمني مباشر.
وهذا الفارق بين القدرة القصوى والقدرة المُستغَلة هو جوهر المشكلة في كل أزمة إمدادات معاصرة، إذ تصبح الأرقام الرسمية للطاقة الإنتاجية مُؤشرًا أقل أهميةً من قدرة السوق الفعلية على تعبئة تلك الطاقة وتحريكها.
كذلك، فإن أزمة المنتجات المكرَّرة تحديدًا ترتبط بتوقُّف متزامن لصادرات الديزل والوقود المكرَّر من منطقتين رئيستَين في وقتٍ واحد، إذ توقَّفت صادرات المنتجات من الشرق الأوسط وروسيا بما يقارب مليوني برميل يوميًّا من كل منطقة على حدة.
وهذا التزامن بين تعطُّل مصدرَين جغرافيَّين مختلفين يعني أن سوق الوقود المكرَّر فقدت نحو أربعة ملايين برميل يوميًّا من مصدرين لا علاقة مباشرة بينهما؛ ما يُفسّر لماذا تتجاوز حدَّة أزمة الديزل حدة أزمة الخام رغم أن كليهما يتأثَّر بالاضطرابات الجيوسياسية ذاتها.
واللافت أن هذه الفجوة تتضاعف تعقيدًا بفعل محدودية مرونة نظام التكرير الأمريكي نفسه، إذ لا تستطيع مصافي الولايات المتحدة تعويض هذا النقص بسهولة كَوْنها مُصمَّمة أصلًا لمعالجة أنواع مُحدَّدة من الخام وَفْق نِسَب ثابتة بين مخرجاتها من البنزين والديزل وزيوت الوقود.
وهذا يعني أن المصافي حول العالم تجد نفسها مضطرة للمفاضلة بين إنتاج الديزل أو البنزين وفقًا لهوامش الربحية الآنية لكل منتج، وليس لاحتياجات السوق الفعلية، وهي مفاضلة تزيد من حدَّة النقص في أي منتج بعينه كُلّما مالت الحسابات التجارية نحو منتج آخر أكثر ربحيةً في تلك اللحظة.
وفي الوقت نفسه، يُقدّم سلوك الصين نموذجًا مغايرًا يكشف حدود هذه الأزمة الزمنية؛ إذ استطاعت أكبر مستورد للنفط في العالم خفض وارداتها بين خمسة وستة ملايين برميل يوميًّا مقارنةً بالعام الماضي بفضل امتلاكها مخزونًا احتياطيًّا ضخمًا راكمته مسبقًا. لكن هاردي وصف هذا المستوى من السحب من المخزون بأنه غير مستدام، وبالفعل أظهرت بيانات واردات الصين ارتفاعًا في أغسطس مقارنةً بشهر يوليو، مترافقًا مع نمو طفيف في شحنات الخليج العربي واتجاه المصافي الصينية لزيادة مشترياتها من جديد.
وهذا التحول يُوضّح أن المخزونات الاحتياطية الكبرى تعمل كأداة تأجيل للأزمة لا كحَلٍّ دائم لها؛ إذ تمنح الدول التي تملكها هامشًا زمنيًّا للمناورة بينما تنتظر استقرار الإمدادات، لكنها تصل إلى نقطة تضطر معها إلى العودة للسوق مهما بلغت ضخامة ما راكمته سابقًا.
الدرس الأعمق هنا يتجاوز أزمة الديزل الحالية تحديدًا؛ فكُلّ أزمة طاقة معاصرة تتضمَّن طبقتَين منفصلتَين تحليليًّا وإنْ تشابكتا في الظاهر، طبقة الاستخراج الخام وطبقة التكرير والتوزيع، وكل منهما تخضع لقيود مختلفة ولا تتحرك بالتزامن. ومن ثَمَّ فإنّ توازن سوق الخام لا يضمن توازن سوق المنتجات النهائية؛ كَوْن الفجوة بينهما تتَّسع كلما تعطَّلت البنية التحتية للتكرير في منطقة بعينها بمعزل عن وفرة المادة الخام في مكان آخر من العالم؛ ما يجعل قراءة أي أزمة نفطية قراءةً ناقصةً تُغفل الحلقة الأكثر هشاشةً في السلسلة بأكملها.
