الأربعاء, 09 أيلول / سبتمبر 2026

عندما تتحوَّل وفرة الموارد إلى عبء..مفارقة البنزين الإيراني

عندما تتحوَّل وفرة الموارد إلى عبء..مفارقة البنزين الإيراني
المشاهدات1
مقال رقم #618
Whatsapp
Facebook Share

الفجوة بسيطة في ظاهرها، إيران تستهلك 132 مليون لتر بنزين يوميًّا، بينما لا تنتج مصافيها سوى 122 مليونًا فقط، وَفْق ما أقرّ به مساعد وزير النفط محمد صادق عظيمي فر. هناك عشرة ملايين لتر يوميًّا كان من المفترض تعويضها عبر الاستيراد منذ خمسة أشهر، ولا تزال دون تعويض حتى الآن. هذا الرقم الصغير نسبيًّا لا يُفسّر فقط الطوابير المتزايدة أمام المحطات في طهران ومدن أخرى، بل يكشف عن مفارقة أعمق تتمثَّل في عجز بلد، يملك ثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم، عن سَدّ فجوة وقود لا تتجاوز سبعة بالمئة من استهلاكه اليومي.
 
اللافت أن هذه الفجوة ليست نتاج نقص في الموارد الأولية، وإنما نتاج عجز في القدرة على تحويل هذه الموارد إلى منتج نهائي قابل للاستهلاك، وهذا فارق جوهري في التشخيص؛ فحين يُوضّح مسؤولون في منظمة ترشيد الطاقة الإيرانية أن جزءًا من البنزين المطروح في السوق يأتي عبر تحويل منتجات بتروكيماوية كانت تُصدّر حتى عام 2021 وتدر عملة أجنبية، فهذا يعني أن سدّ فجوة الاستهلاك الداخلي يجري على حساب مصدر دخل خارجي كان قائمًا. وبعبارة أخرى، فإن الحل المؤقَّت للأزمة الداخلية يستنزف موردًا كان يفترض أن يُخفّف من أزمة أخرى موازية تتمثَّل في نقص العملة الصعبة.
 
كذلك يكشف تزامن هذه الأزمة مع انهيار صادرات النفط الخام، التي هبطت إلى نحو 260 ألف برميل يوميًّا مقارنةً بـ1.7 مليون قبل عام، عن ترابط بنيوي بين طرفي السلسلة النفطية. كما أن تراجُع القدرة على التصدير والاستيراد يحدثان في آن واحد لأنهما يعتمدان على البنية التحتية المالية واللوجستية ذاتها التي يستهدفها الحصار.

وحين تُستهدَف الناقلات وتُغلق قنوات التمويل الموازية، لا يتضرَّر فقط الجانب المصدِّر من المعادلة، بل أيضًا الجانب المستورِد؛ لأن كليهما يحتاج إلى السفن ذاتها وقنوات الدفع ذاتها لإتمام عملياته؛ وهذا يُفسّر لماذا لم تَعُد أزمة الوقود الداخلية منفصلة عن أزمة تصدير الخام، بل صارت وجهَين لعملة واحدة.
 
وفي الوقت نفسه، فإن حجم الفجوة اليومية الذي تتباين تقديراته الرسمية يكشف عن اختلال بنيوي أعمق من أزمة عرض وطلب موسمية؛ فمُنظَّمة ترشيد الطاقة تقدّر أن الاستهلاك كان مُرشحًا، في ظروف اقتصادية طبيعية، للارتفاع إلى ما بين 140 و145 مليون لتر يوميًّا، وهذا يعني أن الفجوة الحقيقية أكبر مما تُظهره الأرقام الحالية المكبوحة بفعل ضعف القدرة الشرائية، وتراجُع النشاط الاقتصادي العام.

 

وبهذا يصبح الرقم المعلن ليس سقفًا للأزمة، بل انعكاسًا لطلب مكبوت، وأي تحسُّن نسبي في الأوضاع المعيشية أو زيادة في القدرة الشرائية، سيرفع الاستهلاك ويُوسّع الفجوة القائمة بدلًا من تخفيفها.
 
أما تكلفة هذا العجز فلا تقتصر على الاستيراد المباشر، وإنما تمتد إلى ما تصفه منظَّمة ترشيد الطاقة بتكلفة الفرصة البديلة المتمثّلة في تحويل نحو ملياري دولار سنويًّا من عائدات محتملة كانت تصدَّر كمُنتجات بتروكيماوية، إلى استهلاك محلي لا يدر عملة أجنبية، بل يستنزفها عبر فاتورة الاستيراد. هذا النمط القائم على تحويل موارد ذات قيمة تصديرية إلى استهلاك داخلي مدعوم، يُكرّر منطقًا مألوفًا في اقتصادات الريع النفطي الخاضعة لحصار طويل الأمد.

فحين تنسد قنوات التصدير الخارجية، يتحوَّل الفائض النسبي في الإنتاج المحلي إلى عبء يُدار داخليًّا بموارد شحيحة.
 
الدرس الأعمق الذي تكشفه طوابير الوقود في طهران يتجاوز مسألة العرض والطلب على البنزين؛ فحين يتحوَّل اقتصاد بأكمله إلى إدارة عجز متزامن على طرفي سلسلة الإنتاج المتمثّلين في تصدير الخام واستيراد المشتقات، تفقد الدولة قدرتها على استخدام موقعها كمُصدّر للطاقة كأداة مساومة أو حماية؛ لأن الأداة ذاتها التي كانت تمنحها نفوذًا خارجيًّا، تصبح مصدر ضعفها الداخلي حين ينقلب اتجاه الضغط عليها بدل أن ينطلق منها، وهذا يُحوّل وفرة الموارد الطبيعية من ميزة إستراتيجية إلى عبء لوجستي يتضاعف مع كل يوم يطول فيه أمد العزلة.

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media