عُمان تُعزّز شراكتها مع الصين.. استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تشكيل اقتصادها
تعكس الاتفاقات الاستثمارية التي أبرمتها سلطنة عمان مع الصين، بقيمة تتجاوز ملياري دولار، تحولًا في طبيعة الشراكة بين البلدين من التعاون التجاري التقليدي إلى شراكة إنتاجية وتكنولوجية طويلة الأمد. فقد جرى توقيع 23 اتفاقية ومُذكّرة تفاهم وشراكة استثمارية، شملت الطاقة المتجدّدة، والتعدين، والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي، وتكنولوجيا الفضاء.
وتبرز أهمية هذه الاتفاقات في ارتباطها بإستراتيجية عمان لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال جذب الاستثمارات إلى قطاعات قادرة على خلق قيمة مُضافة ووظائف جديدة.
ومن أبرز المشروعات تأسيس صندوق استثماري مشترك بقيمة 800 مليون دولار مع صندوق طريق الحرير الصيني، وآخر بقيمة 300 مليون دولار مع بنك التجارة الصيني، إلى جانب عقد تعدين بقيمة 418.7 مليون دولار لتطوير مشروع النحاس والذهب في منطقة ينقل.
ولا تقتصر الأهمية على حجم التمويل، بل تمتد إلى محاولة نقل التكنولوجيا والخبرات الصينية إلى السوق العمانية؛ فالاتفاقات تشمل تصنيع مُعدّات الطاقة الشمسية، وتطوير مراكز للبيانات والذكاء الاصطناعي، والتعاون في الأقمار الصناعية، وإنشاء أنظمة لتخزين الكهرباء بالبطاريات.
وهذا يفتح المجال أمام عمان للانتقال من استيراد التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاجها وتوطينها، مع تدريب الكوادر الوطنية وتأهيلها.
وتحمل الشراكة بُعدًا جيو-اقتصاديًّا مهمًّا؛ حيث تمتلك عُمان موقعًا إستراتيجيًّا على بحر العرب وخارج مضيق هرمز، وموانئ ومناطق اقتصادية حرَّة يمكن أن تجعلها مركزًا صينيًّا للتصنيع والتوزيع نحو أسواق الخليج وإفريقيا. كما أن توقيع اتفاق لتبادل العملات بين البنكين المركزيَّين العُماني والصيني يُعزّز البنية المالية للتجارة الثنائية، ويفتح المجال أمام توسيع استخدام اليوان في التسويات التجارية.
وفي المقابل، يُمثّل التحدي الحقيقي قدرة مسقط على تحويل مذكرات التفاهم والصناديق الاستثمارية إلى مشروعات منتجة، تضمن نقل المعرفة وتوفير فرص العمل، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص المحليّ، بدلًا من الاكتفاء بتدفُّقات رأس المال الأجنبي.
الخلاصة: لا تبحث عُمان عن مُستثمِر صيني فقط، وإنما تسعى إلى توظيف القوة الصناعية والتكنولوجية لبكين في بناء قاعدة اقتصادية جديدة، تجعل السلطنة حلقة وصل بين الإنتاج الآسيوي والأسواق الإقليمية، وتمنحها مساحةً أكبر لتنويع شراكاتها الاقتصادية الدولية.

