الصين تربح المعركة الحقيقية بينما تنشغل واشنطن بإيران
بينما استهلكت حرب إيران انتباه واشنطن وموازناتها العسكرية لأشهر، كانت الصين تُحقّق مكاسب أعمق وأطول أمدًا على جبهات اقتصادية وتقنية لا تصنع عناوين يومية، لكنها تُعيد رسم موازين القوى الفعلية.
اتفاق بوسان في أكتوبر 2025 يُلخّص هذه المعادلة بدقَّة. تراجع ترامب عن تهديده برَفْع الرسوم الجمركية 100%، مقابل هدنة مُؤقّتة على المعادن النادرة وفول الصويا لمدة عام واحد فقط. المفارقة أن هذا "الانتصار" الأمريكي المعلَن جاء بعدما استخدمت بكين سيطرتها شبه الكاملة على المعادن النادرة كورقة ضغطٍ مباشرة؛ ما اضطرّ واشنطن للتراجع.
الدرس هنا اقتصادي بحت؛ حين تتحكَّم دولة واحدة في مدخلات صناعية حساسة، من الرقائق الإلكترونية إلى المقاتلات الحربية، فإنّ أي حرب تجارية تتحوَّل لصالحها بغَضّ النظر عن حجم الاقتصاد الأكبر.
الأثر الأعمق يظهر في مُؤشّرات لم تكن موجودة قبل عامين؛ حيث إنّ استطلاع بيو الأخير وجد أن الصين أصبحت الآن أكثر شعبيةً من أمريكا في 25 دولة حول العالم، بعدما كانت الفجوة تصُبّ تاريخيًّا لصالح واشنطن لعقود. حتى في مقياس احترام الحريات الشخصية؛ حيث كانت أمريكا تتفوَّق بفارق كبير، تقلَّصت النسبة إلى 39% مقابل 26% فقط لصالح الصين، وهو تراجع حاد في ميزة كانت تُعدّ من أقوى أوراق النفوذ الأمريكي الناعم.
هذا التحول لا يعني أن الصين أصبحت نموذجًا أكثر جاذبيةً بطبيعتها، بل يعني أن تكلفة كل قرار اقتصادي وسياسي أمريكي أصبحت تُقاس الآن بمقياس نسبي جديد؛ ليس هل أمريكا قوية، بل هل ما زالت أقوى من البديل الصيني بفارق يستحق الثقة الكاملة فيها؟
