الأربعاء, 16 أيلول / سبتمبر 2026

حين يصبح التفاؤل جزءًا من أدوات التفاوض

حين يصبح التفاؤل جزءًا من أدوات التفاوض
المشاهدات2
مقال رقم #679
Whatsapp
Facebook Share

ضحك الحضور في منتدى يالطا للإستراتيجية الأوروبية بكييف، حين أشار المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر إلى وجود التزام لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإيجاد سبيل للمُضي قُدمًا في محادثات إنهاء الحرب. هذه الضحكة العفوية تكشف عن فجوة تستحق التوقُّف عندها بين اللغة الدبلوماسية المتفائلة التي يستخدمها الوسطاء الأمريكيُّون وتقييم الجمهور الأوكراني المباشر لمدى واقعية هذا التفاؤل، وهي فجوة تتكرَّر في كل جولة من جولات هذه المفاوضات منذ بدايتها.
 
اللافت أن كوشنر نفسه، رغم تعبيره عن أمله في الإعلان خلال الأسبوعَين المقبلَين عن الخطوات المقبلة في المحادثات، أقرّ بأن هذه مشكلات مُعقَّدة للغاية، وهذا التناقض الظاهري بين التفاؤل المعلن والاعتراف بالتعقيد؛ يعكس وظيفةً مزدوجةً للخطاب الدبلوماسي في هذه المرحلة من المفاوضات.

 

فمِن جهة يحتاج الوسيط الأمريكي إلى الحفاظ على زخم سياسي يُبرّر استمرار جولات الزيارات والمحادثات، ومن جهةٍ أخرى يحتاج إلى تجنُّب رفع سقف التوقعات إلى مستوى يصعب تحقيقه فعليًّا؛ ما يُفسّر لماذا يصف كوشنر وويتكوف تواصلهما مع الطرفَين بأنه بنَّاء وإيجابي، دون الإعلان عن أي اختراق فعلي طوال الزيارة.
 
كذلك يكشف نمط زيارات المبعوثين الأمريكيّين، التي شملت لقاء كل من بوتين وزيلينسكي في جولة واحدة متتالية، عن إستراتيجية توازن دقيقة تسعى واشنطن من خلالها إلى تجنُّب الظهور بمظهر المنحاز لأيٍّ من الطرفين؛ فحين يلتقي المبعوث الأمريكي، رأسَي الدولتَين المتحاربتَين في زيارة واحدة متقاربة زمنيًّا، يرسل ذلك إشارةً إلى أن واشنطن تحافظ على قناة تواصل متوازنة مع الطرفَين معًا، بدلًا من التعامل مع أحدهما كخصم يُفاوَض تحت الضغط والآخر كحليف يُفاوَض بالتشاور. وهذا التوازن الشكلي في آلية التواصل يخدم هدف إبقاء واشنطن في موقع الوسيط المقبول من الطرفَين، وهو شرط أساسي لاستمرار أي عملية تفاوضية طويلة الأمد.
 
وفي الوقت نفسه، فإن الإشارة إلى استعداد كييف لاستئناف محادثات ثلاثية في أكتوبر المقبل، بحسب ما نقلته وسائل إعلام أوكرانية عن رئيس مكتب الرئيس الأوكراني كيريلو بودانوف، تكشف أن العملية التفاوضية تتحرَّك وَفْق جدول زمني مُحدَّد سلفًا.

 

وهذا يعني أن استمرار المحادثات لا يعتمد فقط على حدوث اختراق فعلي في نقاط الخلاف الجوهرية، وإنّما يعتمد أيضًا على وجود التزام مُسبَق من الأطراف بالحفاظ على الإطار التفاوضي نفسه قائمًا، بصَرْف النَّظر عن مدى التقدُّم المُحرَز داخله. فحين تتحدَّد المواعيد مُسبقًا قبل معرفة ما إذا كانت هناك تفاهمات جديدة تستحق البناء عليها، يصبح استمرار المسار التفاوضي هدفًا بذاته، وليس وسيلةً للوصول إلى تسوية.
 
أمَّا وقف إطلاق النار المحدود الذي أُعلن بالتزامن مع زيارة المبعوثين، فيكشف عن نمط تصعيدي يرتبط مباشرةً بتوقيت الأنشطة الدبلوماسية أكثر من ارتباطه بتغيُّر جوهري في حسابات الطرفَين العسكرية؛ فاستمرار الأعمال القتالية في مناطق أخرى من البلدين، رغم هذا الوقف المحدود جغرافيًّا وزمنيًّا، يُوضّح أن هذه الهدنات الجزئية تخدم غرضًا رمزيًّا يرافق الجهد الدبلوماسي ويمنحه غطاءً إيجابيًّا، دون أن تعكس تحولًا فعليًّا في الاستعداد لوقف شامل للأعمال العدائية.

 

وهذا التماثل بين توقيت التهدئة الجزئية وتوقيت الزيارات الدبلوماسية، يكشف أن الهدنة تحوَّلت إلى أداة من أدوات الدبلوماسية العلنية، لا نتيجة مُستقلّة عن مسارها.
 
الدرس الأعمق الذي تكشفه هذه الجولة من المحادثات، هو أن طول أمد أي مفاوضات مُعقَّدة يفرز لغةً خاصةً به، تصبح فيها عبارات مثل: التفاؤل الحَذِر والزخم الإيجابي والخطوات المقبلة، أدوات وظيفية تحافظ على استمرار العملية التفاوضية، بمَعزلٍ عن مدى تقدُّمها الفعلي نحو حَلّ جوهريّ.

 

فحين تتكرَّر هذه اللغة عبر جولات متعاقبة دون أن تفضي إلى نتيجة ملموسة، لا تعود وظيفتها الإخبار عن تقدُّم حقيقي بقدر ما تصبح وسيلةً لإبقاء الأطراف داخل الإطار التفاوضي؛ وهو ما يُفسّر لماذا يظل الفارق بين وصف المفاوضات بأنها بنَّاءة ووَصْفها بأنها مُعقَّدة للغاية، فارقًا لفظيًّا أكثر منه فارقًا في الجوهر، طالما بقيت النتيجة الملموسة غائبةً في الحالتَين.
 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media