الخليج يُعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة.. هرمز لم يَعُد المسار الوحيد
لم تَعُد أزمة مضيق هرمز اضطرابًا مؤقتًا في حركة الناقلات، بل تحوَّلت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة اقتصادات الخليج على حماية تدفُّقات الطاقة والتجارة عندما تتعرَّض نقطة العبور الرئيسة للضغط.
ومع هبوط عدد السفن العابرة للمضيق إلى مستويات أقل من 10 سفن هذا الأسبوع، مقابل استمرار الحركة عبر باب المندب بمستويات أقرب إلى مُتوسّطها، أصبحت مسألة تنويع طرق التصدير والنقل جزءًا من الحسابات الاقتصادية المباشرة لدول المنطقة.
الإمارات تتحرَّك بصورة واضحة في هذا الاتجاه، عبر توسيع طاقة موانئها على الساحل الشرقي، وتطوير ممرّات تجارية مع سلطنة عمان، إلى جانب زيادة قدرات خطوط الأنابيب التي تسمح بنقل النفط إلى ساحل خليج عمان، وتستهدف هذه الخطوات تقليص اعتماد التجارة والطاقة على هرمز، وليس انتظار عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها السابقة.
لكن بناء البدائل لا يعني أن الخليج يستطيع استبدال هرمز بسهولة؛ فالمضيق يظل منفذًا رئيسًا لصادرات المنطقة، بينما تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطاقة المتاحة عبر خطوط التصدير البديلة في السعودية والإمارات محدودة، مقارنةً بحجم التدفقات التي تمر عبر المضيق؛ ما يجعل البدائل أدوات لتقليل المخاطر وليست نسخة كاملة من هرمز.
المتغيّر الأهم أن الأزمة بدأت تُغيّر طريقة النظر إلى الموانئ والأنابيب والطرق البرية والسكك الحديدية؛ فالميناء الذي يُوفّر منفذًا بحريًّا خارج نطاق الخطر، وخط الأنابيب الذي يربط مناطق الإنتاج بساحل آخر، والممر التجاري الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر أو خليج عمان، أصبحت جميعها عناصر في منظومة الأمن الاقتصادي.
وهذا التحوُّل يفتح مجالًا لإعادة توزيع النشاط اللوجستي داخل الخليج؛ حيث إنّ الإمارات تُسرّع تطوير موانئ الفجيرة وخورفكان، وتعمل مع عمان على استخدام صحار والدقم ضمن ممرات بديلة، بينما تمنح خطوط الأنابيب السعودية نحو البحر الأحمر المنطقة خيارًا إضافيًّا لتصدير النفط بعيدًا عن هرمز.
الدرس الاقتصادي الأهم أن امتلاك احتياطيات لا يكفي وحده؛ لأن القدرة على إيصال الطاقة إلى الأسواق أصبحت جزءًا من القيمة الاقتصادية نفسها. ومع بقاء أسعار برنت فوق 100 دولار وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، تتحوَّل تكلفة الطريق إلى عامل مُؤثّر في تنافسية الصادرات الخليجية.
لذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى خريطة خليجية مُتعدّدة المنافذ، لا إلى البحث عن بديل واحد للمضيق. وكلَّما توسَّعت الموانئ والأنابيب والممرات البرية، أصبح الاقتصاد الخليجي أقل تعرضًا لتعطُّل نقطة واحدة، وأكثر قدرةً على الحفاظ على تدفقات الطاقة والتجارة، حتى في بيئة إقليمية شديدة التقلُّب.
