الجمعة, 11 أيلول / سبتمبر 2026

جبهة صراع جديدة بين أمريكا والصين... عنوانها "تقطير" الذكاء الاصطناعي

جبهة صراع جديدة بين أمريكا والصين... عنوانها "تقطير" الذكاء الاصطناعي
المشاهدات1
مقال رقم #625
Whatsapp
Facebook Share

المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على الذكاء الاصطناعي لم تَعُد تدور فقط حول الرقائق وأجهزة الحوسبة ومراكز البيانات، بل انتقلت إلى مستوى أكثر أهمية، حول مَن يملك المعرفة التي تنتج النماذج الأكثر تقدمًا، ومَن يستطيع الوصول إليها أو تقليد قدراتها بأقل تكلفة.

 

وفي أحدث تصعيد، اتهمت واشنطن شركات صينية، بينها DeepSeek وAlibaba وMoonshot AI، بتنفيذ حملات واسعة لاستخراج قدرات النماذج الأمريكية عبر تقنية تُعرَف باسم "تقطير الذكاء الاصطناعي".


التقطير في حدّ ذاته ليس تقنية غير مشروعة؛ فهو أسلوب معروف يسمح بتدريب نموذج أصغر بالاستفادة من مُخرجات نموذج أكبر وأكثر قدرة. وتَستخدمه شركات الذكاء الاصطناعي أيضًا لأغراض مشروعة، مثل إنتاج نماذج أرخص وأسرع. لكنّ الخلاف يبدأ عندما يُستخدَم بصورة ممنهجة لاستخراج قدرات نموذج تجاري مُغلق، خصوصًا عبر حسابات وهمية أو وسائل للالتفاف على قيود الوصول.


وهنا تتحوَّل القضية من منافسة تقنية إلى معركة على الملكية الفكرية والتفوق الإستراتيجي.

أحد مفاتيح القضية هو فجوة الحوسبة. الصين تواجه قيودًا أمريكية على الوصول إلى أكثر الرقائق تقدمًا، بينما تشير تقديرات إلى أن الولايات المتحدة تمتلك نحو 74% من قدرات الحوسبة العالمية للذكاء الاصطناعي مقابل 14% للصين. ولذلك قد يكون الحصول على "معرفة" نموذج متقدّم عبر مُخرجاته أقل تكلفة بكثير من بناء نموذج منافس من الصفر.


لكن هذه النقطة تكشف أيضًا حدود التقطير، فهو لا يعني ببساطة نسخ النموذج الأصلي بالكامل، ولا يلغي الحاجة إلى البيانات والمهندسين والرقائق والبنية التحتية.


إذا كانت الولايات المتحدة قد بدأت حربها التكنولوجية بمنع الصين من الحصول على الرقائق المتقدمة، فإن استهداف "التقطير" يعني الانتقال إلى حماية النموذج نفسه والمعرفة المتولّدة عنه.


وقد يصبح السلاح المُقبل هو العقوبات، وإدراج شركات صينية على القوائم السوداء، وتشديد الوصول إلى النماذج الأمريكية، بدلًا من الاكتفاء بالسيطرة على مكوّنات الأجهزة.


لكن كلما أغلقت الولايات المتحدة أبواب الوصول إلى نماذجها، زادت جاذبية النماذج مفتوحة المصدر التي يمكن تعديلها ونشرها بحرية أكبر. وقد ساهمت القيود الأمريكية بالفعل في دَفْع الصين نحو بناء منظومات أكثر اعتمادًا على المصادر المفتوحة والقدرات المحلية.


وهذا يضع واشنطن أمام معادلة صعبة: كيف تحمي تفوقها من دون أن تدفع المنافس إلى تطوير بدائل مستقلة أسرع؟ المواجهة المُقبلة لن تكون فقط حول مَن ينسخ نموذج الآخر، وإنما حول الرقائق، والطاقة، والبيانات، والمواهب، والنماذج المفتوحة، والمعايير العالمية للذكاء الاصطناعي.


وبالتالي، فإن "التقطير" قد يكون مجرد أحدث جبهة في حرب تكنولوجية أطول. واشنطن تريد الحفاظ على فارق زمني في قدرات الذكاء الاصطناعي، بينما تحاول بكين تحويل القيود الأمريكية من نقطة ضعف إلى حافز لبناء منظومة مستقلة.

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media