هل بدأت الصين حصارًا بحريًّا حول تايوان؟
بدأت الصين بتوسيع أدوات الضغط على تايوان من المضيق إلى المحيط الهادئ، في خطوة قد يكون هدفها بناء قدرة على تطويق الجزيرة وتهديد خطوط إمدادها من دون الانتقال مباشرةً إلى خيار الغزو. منذ يونيو، كثَّفت بكين دوريات خفر السواحل شرق تايوان، فيما وصفت "تايبيه" هذه التحركات بأنها جزء من ضغوط "المنطقة الرمادية"، ومحاولة لفرض واقع بحري جديد.
وفي سبتمبر، أكَّدت الصين تنفيذ دورية جديدة شرق الجزيرة، هي الثالثة منذ يونيو.
اتجاه الصين إلى شرق تايوان؛ لأن الجزيرة لا تعتمد فقط على الممرات البحرية في مضيق تايوان؛ فالمياه الواقعة شرق الجزيرة تفتح مباشرةً على المحيط الهادئ، وتُمثّل منفذًا حيويًّا لحركة السفن التجارية والطاقة، كما ترتبط بمسارات يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها في حال اندلاع أزمة. وبالتالي، فإن الضغط على هذا الجانب يعني محاولة التعامل مع نقطة ضعف إستراتيجية بعيدةً عن المسرح التقليدي للمواجهة.
وتكتسب المسألة بُعْدًا اقتصاديًّا أكبر مع حركة السفن التي تنقل النفط والغاز وخام الحديد والسلع الزراعية. الأرقام تشير إلى عبور السفن شرق تايوان خلال يونيو، بواقع 527 سفينة مقابل 420 عبر المضيق، ما يعني أن رسالة الصين تصبح أكثر وضوحًا: التأثير في تايوان لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق نفسه.
هنا تظهر إستراتيجية "الحصار دون غزو"، بدلًا من إعلان تحرُّك عسكري قد يُنظَر إليه باعتباره عملًا حربيًّا، تستطيع الصين استخدام خفر السواحل وسفن الأبحاث والعمليات التنظيمية والادعاءات القانونية لتطوير وجود مستمر حول الجزيرة. وقد شهد يونيو بالفعل عدة تحركات صينية شرق تايوان، بما في ذلك دوريات أعلنت بكين أنها عمليات "إنفاذ للقانون"، بينما ردّت "تايبيه" بنشر سفنها ومراقبة التحركات الصينية.
المفارقة أن خفر السواحل قد يكون أكثر فاعلية من السفن الحربية سياسيًّا.
وجود سفن عسكرية صينية في المنطقة سيُقْرَأ فورًا باعتباره تصعيدًا عسكريًّا، بينما يمكن لبكين تقديم سفن خفر السواحل باعتبارها أدوات "إنفاذ قانون". وبذلك تستطيع اختبار ردّ فعل تايوان والولايات المتحدة، وتكرار السيناريو حتى يصبح وجودها البحري أمرًا مألوفًا.
لكنّ الهدف المحتمل لا يقتصر على تطويق تايوان، بل يشمل أيضًا اختبار قدرة الجزيرة على حماية خطوطها التجارية. وقد ردّت تايوان بالفعل بتدريبات تحاكي مواجهة الحصار، بما فيها عمليات مشتركة بين البحرية وخفر السواحل لمرافقة السفن التجارية وتأمين الممرات الشرقية.
الزاوية الأخطر هي بناء البنية التحتية للحصار قبل الحاجة إليه. فإذا تحوَّلت الدوريات المؤقتة إلى وجود دائم، وترافقت مع سفن أبحاث ومراقبة واستطلاع وقدرات لوجستية؛ فقد تمتلك بكين لاحقًا شبكة تستطيع من خلالها مراقبة السفن، وفرض عمليات تفتيش أو تحويل مسارات، ورفع تكلفة التجارة مع تايوان من دون إعلان حصار رسمي.
لذلك، قد تكون اللعبة الصينية الجديدة أكثر ارتباطًا بقدرة بكين على خنق الجزيرة تدريجيًّا من دون أن تطلق الرصاصة الأولى. وهنا تكمن خطورة إستراتيجية المنطقة الرمادية: تحويل الحصار من حدث عسكري مفاجئ إلى عملية تدريجية يصعب تحديد اللحظة التي بدأت فيها الحرب فعليًّا.
