الأربعاء, 09 أيلول / سبتمبر 2026

صعود اليمين المتطرّف في ألمانيا.. ماذا وراء التحول؟

صعود اليمين المتطرّف في ألمانيا.. ماذا وراء التحول؟
المشاهدات1
مقال رقم #613
Whatsapp
Facebook Share

تحوَّل صعود اليمين المتطرف في ألمانيا إلى اتجاه سياسي راسخ يُعيد رسم خريطة السياسة الألمانية، وتكفي الإشارة إلى أن حزب "البديل من أجل ألمانيا (AfD)" حصل في انتخابات البوندستاغ عام 2025 على 20.8% من الأصوات، مقابل 10.4% في 2021، قبل أن يُحقّق في انتخابات ولاية ساكسونيا - أنهالت في سبتمبر 2026 نحو 43.8%، في أكبر انتصار انتخابي له حتى الآن.


تُمثّل الهجرة واللجوء العامل الأكثر وضوحًا في صعود اليمين المتطرّف؛ فالحزب نجح في تحويل المخاوف المرتبطة بالاندماج والأمن والضغط على الخدمات العامة إلى قضية سياسية مركزية، مستفيدًا من شعور قطاعات من الناخبين بأن الأحزاب التقليدية لا تملك حلولًا مُقنعة. وفي ساكسونيا - أنهالت، أظهرت نتائج الانتخابات أن مخاوف الناخبين من آثار الهجرة على الثقافة والاقتصاد كانت من أبرز دوافع التصويت للحزب.


لكن الاقتصاد لا يقل أهميةً عن الهجرة. ألمانيا تعاني منذ سنوات من تباطؤ اقتصادي وتحديات تواجه الصناعة، خصوصًا قطاع السيارات والطاقة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة والقلق بشأن الوظائف والقدرة التنافسية. وهنا يُقدّم اليمين نفسه باعتباره صوتًا للاحتجاج على سياسات النُّخَب الاقتصادية والبيئية، مُستغلًّا الإحباط من تراجع النمو وتعقيد التحول الأخضر.


ويظل الانقسام بين الشرق والغرب عاملًا حاسمًا؛ فهناك مناطق في شرق ألمانيا تحمل إرثًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا مختلفًا منذ الوحدة، مع شعور مستمر لدى بعض السكان بأنهم لم يحصلوا على نصيبهم الكامل من الازدهار. وتظهر نتائج ساكسونيا - أنهالت أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" استطاع اختراق المدن والمناطق الريفية، مستفيدًا من هذا الشعور المتراكم.


كما أن صعود اليمين هو أيضًا انعكاس لتراجع جاذبية الوسط السياسي؛ فالناخب الذي لا يجد فارقًا كبيرًا بين برامج الأحزاب التقليدية قد يتَّجه إلى حزب احتجاجي أكثر حدَّة. وهنا تكمن خطورة ظاهرة اليمين المتطرف، لا يصعد فقط لأنه يُقنع ناخبين جدد، بل لأنه يستفيد من خسارة الآخرين لثقة الناخبين.


بالإضافة إلى ذلك، نجح الحزب في الوصول إلى الناخبين الشباب عبر خطاب مباشر، شديد الاختصار ومُحدَّد، يتجاوز الإعلام التقليدي.

كما أن تقديم بعض قياداته، مثل أولريش زيغموند في ساكسونيا - أنهالت، بصورة أكثر اعتدالًا وشعبيةً يساعد على توسيع قاعدة الحزب خارج دائرته اليمينية التقليدية.


المفارقة هنا أن محاولة الأحزاب التقليدية احتواء اليمين عبر تبنّي بعض قضاياه، خصوصًا الهجرة، قد تمنحه شرعيةً إضافيةً بدلًا من إضعافه. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار "الجدار الناري" الذي يمنع التعاون مع حزب "البديل من أجل ألمانيا" قد يزيد شعور أنصاره بأنه الحزب الوحيد المستبعد من النظام السياسي، وقد أعادت نتيجة ساكسونيا - أنهالت بالفعل فتح النقاش حول مستقبل هذا الجدار.


وبالتالي، فإن صعود اليمين الألماني نتاج تفاعل الهجرة والاقتصاد والهويَّة وأزمة الثقة والانقسام الجغرافي وتغيُّر البيئة الإعلامية. لذلك فإن مواجهته لن تكون عبر عزله انتخابيًّا، وإنما باستعادة ثقة الناخب في قدرة الأحزاب التقليدية على معالجة المشكلات التي صنعت البيئة التي ينمو فيها اليمين.

 

والأهم أن انتصاره الأخير في ساكسونيا - أنهالت يُثير مخاوف حول تحوُّل ألمانيا من مرحلة احتواء اليمين المتطرّف إلى مرحلة التعايش معه داخل السُّلطة.

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media