أزمة لايبزيغ.. حين تتحوَّل مُسيّرة واحدة إلى اختبار لحدود التصعيد بين برلين وموسكو
من سمات الحروب غير المعلنة أن أخطر لحظاتها لا تبدأ بمواجهة مباشرة، بل بحادثة محدودة يتنازع الطرفان تفسيرها؛ فحين عثرت السلطات الألمانية على مُسيّرة قرب مطار لايبزيغ هاله، وخلصت برلين إلى أن روسيا مسؤولة عنها، بينما وصف وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف هذا الاستنتاج، بأنه بداية حرب حقيقية دون أدلة كافية، لم يكن الخلاف الحقيقي حول واقعة تقنية مُحدَّدة، بل حول مَن يملك حق تحديد أين تقع الحدود بين حادثة أمنية وفعل عدائي مباشر، وهذا التنازع على التفسير، لا الحادثة نفسها، يُفسّر لماذا تصاعَد رد الفعل بالسرعة والحدة اللتَين شهدهما الطرفان خلال أيام قليلة.
برلين لم تتعامل مع الحادثة بوَصْفها اختراقًا أمنيًّا معزولًا، بل ربطته بموقع لايبزيغ في شبكة الإمداد اللوجستي المتجهة إلى أوكرانيا؛ أي إنها قرأت الحادثة بوَصْفها استهدافًا لوظيفة ألمانيا في الحرب، لا لأمنها الداخلي فقط. وهذا التأطير دفعها إلى حزمة إجراءات تتجاوز حجم حادثة واحدة، فأغلقت القنصلية الروسية في بون، وأنهت عمل البيت الروسي في برلين، وشدَّدت إجراءات دخول الروس، ودفعت نحو عقوبات أوروبية أوسع. وهذا التناسب غير المتكافئ ظاهريًّا، بين حجم الواقعة وحجم الرد، يكشف منطقًا متكررًا في مثل هذه الأزمات؛ إذ حين يتعذَّر إثبات الفعل العدائي بيقين تام، يصبح الرّد السياسي والدبلوماسي أداةً لتثبيت رواية مُعيَّنة أكثر منه عقابًا متناسبًا مع فعل مُحدَّد.
في المقابل، جاء الرد الروسي ليُكرّر نمطًا مألوفًا في هذا النوع من الأزمات؛ إذ رفضت موسكو الاتهام رفضًا قاطعًا ووصفته بالتلفيق، ثم بادرت بإجراء مضاد يعيد التوازن الرمزي دون الدخول في نقاش تفصيلي حول الأدلة. فإغلاق روسيا القنصلية الألمانية في سان بطرسبورغ ومراكز معهد غوته لم يكن ردًّا على مضمون الاتهام، بل على الإجراء الألماني نفسه؛ بحيث انتقلت المعركة من مستوى إثبات من فعل ماذا إلى مستوى تحديد مَن يملك المبادرة في التصعيد المتبادل.
وهذا الانزلاق من نقاش الوقائع إلى نقاش الإجراءات يجعل مثل هذه الأزمات أصعب في الاحتواء من نزاع دبلوماسي تقليدي؛ إذ يصبح كل ردّ مُبررًا للرد الذي يليه بمعزل عن أي تقدُّم في إثبات أو نفي الحادثة الأصلية.
أما استحضار لافروف مقارنة تاريخية مع إغلاق ألمانيا بعثاتها الدبلوماسية قبيل الحرب العالمية الثانية، يتجاوز وظيفته الظاهرة كتذكير تاريخي؛ لأنه يُمثّل محاولة لنقل الحادثة من إطارها التقني الضيق إلى إطار وجودي أوسع، يوحي بأن ألمانيا تُكرّر نمطًا تاريخيًّا من التصعيد التدريجي نحو مواجهة أشمل.
وسواء قصد لافروف بذلك تحذيرًا فعليًّا أو أداة ضغط إعلامية، فإن اختيار هذه المقارنة يعكس إدراكًا روسيًّا لقيمة الرمزية التاريخية في تشكيل الرأي العام الداخلي والدولي على حَدٍّ سواء، بما يفوق قيمة أي دليل تقنيّ بشأن مصدر المُسيَّرة.
ويكمن جوهر الإشكال في أن هذا النوع من المواجهة مُصمّم بطبيعته ليبقى دون عتبة الإثبات القاطع، فهو يعتمد على أفعال يمكن إنكارها بشكل معقول؛ ما يجعل كل طرف قادرًا على تكييف الواقعة بما يخدم روايته دون أن يملك الطرف الآخر وسيلة حاسمة لدحضها.
وهذا الغموض المتعمَّد ليس عيبًا في هذا النوع من المواجهة، بل هو جوهر وظيفتها؛ إذ يحقّق تأثيرًا إستراتيجيًّا مع الحفاظ على إمكانية الإنكار وتفادي الدخول في مواجهة مباشرة تحت مُسمَّى مُحدَّد.
والدرس الأعمق هنا يتجاوز حادثة لايبزيغ إلى طبيعة الصراع الأوروبي الروسي في مرحلته الراهنة، فحين تصبح البنية التحتية والقنصليات والمراكز الثقافية ساحةً لتبادل الرسائل بدلًا من ساحات القتال المباشرة، فإن ذلك لا يعني تراجع حدَّة الصراع، بل انتقاله إلى مستوى يصعب فيه على المراقب الخارجي التمييز بين تصعيد حقيقي ومناورة رمزية. وهذا بالتحديد ما يجعل كل حادثة محدودة قابلةً لأن تتحوَّل إلى نقطة تحوُّل في العلاقة بين طرفَين يخوضان مواجهة لا تعترف رسميًّا بأنها حرب، لكنها تُدار بمنطق الحرب في كل تفصيلة من تفاصيلها.
