الحرب الهجينة: حين يصبح التأجيل إستراتيجية بحَدّ ذاتها
حين تعلن حكومة عضو في حلف الناتو أن دولة نووية دبَّرت هجومًا بطائرة مُسيَّرة مُحمّلة بالمتفجرات على أحد أهم مراكز الشحن اللوجستي لديها، ثم تكتفي بإغلاق قنصلية واستدعاء سفير، تكشف هذه المفارقة عن بنية أعمق من مجرد حادثة أمنية عابرة: ثمة عتبة استجابة تُصاغ عمليًّا، لا نظريًّا، بين ما يُعدّ عملًا حربيًّا يستوجب الرد العسكري، وما يُصنَّف كنشاط استخباراتي عدائي يُقابَل بعقوبات دبلوماسية.
الحادثة التي أعلنت برلين في الأول من سبتمبر أن روسيا مسؤولة عنها، حين قال وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت: إن التقييمات الفنية والمعلومات الاستخباراتية أكَّدت أن المُسيَّرة التي استُهدِف بها مطار لايبزيغ/ هاله في الرابع من أغسطس تعود إلى عمل هجين روسي، ليست الحدث الأول من نوعها، لكنها الأوضح في كشف كيف تُدار هذه العتبة عمليًّا.
اللافت أن الحكومة الألمانية لم تتعامل مع الواقعة بوَصْفها حادثة مُنعزِلة، بل وضعتها -بحسب تصريح دوبرينت نفسه- في سياق أنشطة هجينة مُتكرّرة؛ ما يعني أن التصنيف لا يقوم على شدَّة الحادثة الفردية بقدر ما يقوم على موقعها داخل نمط متراكم.
هذا المنطق التراكمي يُفسّر لماذا تبقى الاستجابة الأوروبية عند مستوى الإجراءات الدبلوماسية رغم أن الفعل ذاته -مُسيَّرة مُفخَّخة تستهدف منشأة ذات صلة بالإمداد اللوجستي للناتو ولأوكرانيا- كان يمكن أن يُصنَّف عملًا عدائيًّا مباشرًا؛ فالردع هنا لا يُبنَى على حدث بعينه، بل على تجميع الأدلة عبر الزمن إلى أن تتشكَّل صورة كافية لتبرير خطوة سياسية، وهذا بذاته يمنح الطرف المُتهم هامشًا زمنيًّا واسعًا يستثمره في تكرار الفعل دون أن يتجاوز عتبة الرد العسكري.
كذلك يكشف اختيار الهدف عن منطق استهداف يقوم على إصابة العصب اللوجستي دون المساس المباشر بأرواح أو بمنشآت عسكرية، وهو ما يُبقي الفعل داخل "منطقة رمادية" تصعب معها المطالبة بتفعيل آليات الدفاع الجماعي. وفي الوقت نفسه، فإن اختيار وسيلة التنفيذ -مُسيَّرة تجارية أو شبه تجارية بدل صاروخ أو طائرة عسكرية- يخدم الوظيفة ذاتها؛ حيث يُتيح إنكارًا معقولًا مؤقتًا، ويُؤخّر التصنيف القانوني للفعل، ويمنح مُنَفّذيه غطاءً تقنيًّا يصعب دحضه فورًا، ما يُفسّر لماذا استغرق التحقيق أسابيع قبل الإعلان الرسمي عن المسؤولية.
أما ردّ الفعل الروسي، المُتمثّل في تهديد المتحدثة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا بالرد على ما وصفته بإجراءات مُعادية، فيندرج ضمن نمط مُتكرّر من الإنكار المصحوب بتهديد مضاد، وهو نمط لا يهدف إلى إقناع الطرف الأوروبي بقدر ما يهدف إلى الحفاظ على حالة من الغموض الإستراتيجي تمنع تشكُّل إجماع أوروبي حاسم حول طبيعة الرد، وهذا يُفسّر أيضًا لماذا يقترن كل اتهام أوروبي مباشر لموسكو بإعلان تضامن من حلفاء الناتو -كما عبَّر الأمين العام مارك روته عن وقوف الحلف "صفًّا واحدًا" مع ألمانيا- دون أن يترجم هذا التضامن إلى إجراء جماعي يتجاوز حدود العقوبات الثنائية. فالتضامن اللفظي يخدم وظيفة سياسية داخلية تتمثّل في طمأنة الرأي العام الأوروبي، بينما تبقى آلية الرد الفعلي حبيسة الحسابات الوطنية لكل دولة على حدة.
هذا التوازي بين حادثة لايبزيغ وسلسلة حوادث أخرى تشمل رصد مُسيّرات مشبوهة فوق منشآت عسكرية وصناعية ألمانية، ومحاولات تجنيد مواطنين دنماركيّين لأعمال استطلاع تخريبي، يرسم نمطًا لا يتعلّق بحادثة واحدة، بل ببنية عمل مُمتدَّة جغرافيًّا عبر عدة دول أوروبية في وقت متقارب. تكرار هذا النمط عبر حدود وطنية متعددة يُحوّل التحليل من مستوى الحادثة الأمنية المحلية إلى مستوى إستراتيجية أوسع تستهدف اختبار قدرة المنظومة الأوروبية - الأطلسية على التنسيق والاستجابة الموحّدة، لا اختبار دفاعات دولة بعينها.
الدرس الأعمق الذي تكشفه هذه السلسلة من الحوادث؛ هو أن الحدود التقليدية الفاصلة بين السلم والحرب لم تُرسَم بموجب طبيعة الفعل ذاته، بل بموجب قدرة الطرف المستهدف على تصنيفه ضمن سياق تراكمي يبرر ردًّا متناسبًا. وهذا يعني أن أي طرف يمتلك القدرة على تنفيذ أفعال عدائية متفرقة، ومموَّهة تقنيًّا، يستطيع عمليًّا إعادة تعريف "الحرب" بوَصْفها حالة تراكمية بطيئة لا حدثًا آنيًّا حاسمًا؛ ما يجعل من مسألة "متى تتحوَّل الحرب الهجينة إلى مواجهة مباشرة" سؤالًا لا تحسمه شدة الفعل، بل سرعة أو بطء تَراكُم الأدلة عليه.
