السبت, 05 أيلول / سبتمبر 2026

كيف تحوّل الأمن السيبراني إلى سباق مالي عالمي بمئات المليارات؟

كيف تحوّل الأمن السيبراني إلى سباق مالي عالمي بمئات المليارات؟
المشاهدات2
مقال رقم #603
Whatsapp
Facebook Share

رقم واحد يختصر ملامح المرحلة الحالية التي يعيشها العالم الرقمي: 308 مليارات دولار، هذا هو الحجم المتوقّع للإنفاق العالمي على الأمن السيبراني خلال عام 2026 وحده، بنمو سنوي يبلغ 11.8% مقارنةً بالعام السابق، بحسب أحدث تحديث لدليل الإنفاق الأمني العالمي الصادر عن مؤسسة الأبحاث الدولية (IDC)في أبريل 2026. رقم ضَخْم بما يكفي لإثارة الفضول، لكنّ ما يستحق التوقف عنده أكثر ليس الرقم نفسه، بل الوجهة التي يتَّجه إليها هذا الإنفاق خلال السنوات القادمة.
 
ويُتوقع أن يواصل هذا الإنفاق تصاعده بعد 2026، ليصل إلى نحو 430 مليار دولار بحلول عام 2029، بحسب التوقعات نفسها الصادرة عن آي دي سي.
 
الولايات المتحدة تحديدًا تستحوذ على النصيب الأكبر من هذا الإنفاق؛ إذ تشير توقعات آي دي سي إلى أن السوق الأمريكي وحده سيصل إلى 150 مليار دولار في 2026، ما يجعلها أكبر سوق للأمن السيبراني في العالم بفارق كبير عن أقرب منافسيها. وتأتي أوروبا الغربية في المرتبة الثانية بإنفاق متوقع يبلغ 69 مليار دولار، مدفوعة جزئيًّا بتشريعات تنظيمية صارمة نسبيًّا مثل توجيه “NIS2” الأوروبي وقانون “DORA” للمرونة التشغيلية الرقمية في القطاع المالي، وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي.

أما منطقة آسيا والمحيط الهادئ فتأتي في المرتبة الثالثة بإنفاق يقارب 26 مليار دولار، فيما يُصنّف كل من الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة ضمن الأسواق الإقليمية الأسرع نموًّا خلال العام نفسه.
 
على مستوى القطاعات، تتصدَّر الخدمات المصرفية والحكومات المركزية والاتحادية وأسواق رأس المال وقطاع الاتصالات ومقدمو الرعاية الصحية قائمة القطاعات الأعلى إنفاقًا على الأمن السيبراني عالميًا في 2026؛ إذ تستحوذ هذه القطاعات الخمسة مجتمعة على أكثر من ثلث إجمالي الإنفاق العالمي.

 

أما من حيث سرعة النمو تحديدًا، فتشير بيانات آي دي سي إلى أن قطاعات أسواق رأس المال والإعلام والترفيه وخدمات البرمجيات والمعلومات هي الأسرع نموًّا في الإنفاق الأمني خلال العام نفسه. كما أشار التقرير إلى قطاعي الطيران والدفاع والتقنية العالية والإلكترونيات كقطاعين يُواصلان زيادة استثماراتهما في حماية الملكية الفكرية والبيانات الحساسة؛ نظرًا لارتفاع تعرُّضهما للتجسُّس السيبراني والتهديدات المرتبطة بجهات ودول.
 
من الناحية التقنية، يتوقع التقرير أن تستحوذ فئة البرمجيات الأمنية على أكثر من نصف إجمالي الإنفاق العالمي على الأمن السيبراني في 2026، لتصبح بذلك أكبر فئة تقنية ضمن هذا السوق، وأن تكون الفئة الأسرع نموًّا بمعدل يصل إلى 14% سنويًّا. وتتصدَّر برمجيات إدارة الهوية والوصول، إلى جانب برمجيات حماية نقاط النهاية ومنصات تحليلات الأمن، أكثر من نصف إجمالي الاستثمارات في هذه الفئة تحديدًا، في ظل تركيز متزايد من المؤسسات على حماية بياناتها الحساسة ومنع الاختراقات وتحسين قدرتها على رَصْد ما يجري داخل أنظمتها.
 
وربطت المؤسسة هذا النمو المستمر في الإنفاق بعوامل متشابكة، أبرزها استمرار التهديدات السيبرانية وتصاعد تعقيدها، إلى جانب الضغوط التنظيمية المتزايدة عالميًّا التي تفرض على المؤسسات معايير أمنية أكثر صرامة. كما أشار محللو آي دي سي إلى أن المؤسسات تتَّجه بشكل متزايد نحو تبنّي منصات أمنية موحدة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلًا من الاعتماد على أدوات أمنية منفصلة ومتفرقة كما كان الحال في السابق، وهو تحوُّل وصفته المؤسسة بأنه يعكس انتقال المؤسسات من التعامل مع الأمن السيبراني كأدوات معزولة إلى التعامل معه كبنية متكاملة قائمة على الذكاء الاصطناعي.
 
بين اتساع رقعة الإنفاق جغرافيًّا وقطاعيًّا من جهة، وتسارع وتيرة نموّه سنويًّا من جهة أخرى، تبدو ملامح مرحلة جديدة تتشكّل في العالم الرقمي؛ حيث تحوّل الأمن السيبراني من بند تقني ثانوي في موازنات المؤسسات إلى واحد من أسرع مجالات الإنفاق نموًّا على مستوى العالم بأَسْره.

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media