لماذا تضغط أمريكا لاستئناف مبيعات الغاز الروسي إلى أوروبا؟
لا تبدو المساعي الأمريكية المحتملة، لاستئناف مبيعات الغاز الروسي إلى أوروبا، تحركًا تجاريًّا لتوفير إمدادات الطاقة، بل تحمل أبعادًا سياسية وإستراتيجية قد تُعيد رسم خريطة النفوذ في سوق الغاز العالمي.
عودة الغاز الروسي، حتى بصورة تدريجية، تعني إعادة فتح أحد أهم ملفات الخلاف بين موسكو والعواصم الأوروبية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، وتطرح تساؤلات بشأن مدى استعداد واشنطن للتعامل بمرونة مع موسكو في ملف الطاقة مقابل تفاهمات أوسع.
وتستند المبادرة إلى استخدام خطوط الأنابيب الأوكرانية لنقل الغاز الروسي، مع تَولّي شركة أمريكية دور الوسيط التجاري، ووضع عائدات المبيعات في حساب خاص بدولة ثالثة لمَنْع استخدامها في تمويل الحرب، وَفْق تقارير صحفية.
كما تراهن واشنطن على أن استعادة روسيا جزءٍ من سوقها الأوروبية قد تُشكّل حافزًا لموسكو للموافقة على هدنة تستهدف وَقْف الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة، مع استفادة أوكرانيا من رسوم العبور.
لكن المبادرة تصطدم بثلاثة تحدّيات رئيسة، أوَّلها: الموقف الأوروبي الذي اتَّجه إلى إنهاء واردات الغاز الروسي بحلول 2027، وثانيها: المخاوف من إعادة إنتاج التبعية الطاقية لموسكو، وثالثها: التعقيدات القانونية المرتبطة بالعقوبات الأوروبية؛ إذ إنّ استخدام وسيط أمريكي لا يعني تجاوز الحظر المفروض على الغاز الروسي.
وتكتسب التحركات أهميةً إضافيةً في ظل ارتفاع أسعار الغاز الأوروبي وتراجُع مستويات التخزين، بالتزامن مع اضطراب إمدادات الغاز المُسَال من الشرق الأوسط بسبب التوترات المرتبطة بمضيق هرمز؛ ما يعيد اختبار قدرة أوروبا على الموازنة بين أمن الطاقة والحسابات السياسية.
وفي المقابل، لا تخلو المبادرة من مكاسب أمريكية؛ إذ تُتيح للشركات الأمريكية فرصة الدخول كوسيطٍ في تجارة الغاز، وتمنح واشنطن نفوذًا أكبر في إدارة التوازنات بين موسكو وكييف وأوروبا. وبالتالي، فإنّ القضية تتجاوز استئناف تدفقات الغاز إلى اختبار لإمكانية توظيف الطاقة أداة للتفاوض السياسي، وإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية بين القوى الكبرى.

