من غلاء المعيشة إلى غضب الشارع.. ما الذي يحدث للاقتصاد الفرنسي؟
تعكس الأزمة الاقتصادية في فرنسا خللًا في العلاقة بين النمو ومستوى معيشة المواطنين. تباطؤ التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة؛ ما يُبقي الأسر تحت ضغط تكاليف السكن والطاقة والغذاء، ويؤدي إلى تراجُع القدرة الشرائية، وتصاعد الغضب الاجتماعي والضغوط على الحكومة.
ولا تتعلَّق الأزمة بالأسعار وحدها، بل بتوزيع أعباء التكيف الاقتصادي؛ إذ تواجه الأُسَر محدودة الدخل والطبقة الوسطى دخولًا لا تواكب تكاليف الحياة، بينما تعاني الشركات ارتفاع تكاليف الإنتاج والتمويل؛ ما يَحدّ من قدرتها على زيادة الأجور والتوظيف. ومع ضعف النمو وارتفاع الدَّين العام، تتقلَّص قدرة الحكومة على تقديم مساعدات واسعة دون زيادة الاقتراض أو الضرائب.
وتكشف التطورات الأخيرة ارتباط الأزمة الاقتصادية بالاضطراب السياسي، بعدما شهدت فرنسا في 17 أكتوبر احتجاجات واسعة شارك فيها مئات الآلاف؛ رفضًا لغلاء المعيشة وتدهور الخدمات العامة، قبل تحوُّل بعض التجمعات إلى أعمال عنف.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، تزداد حساسية القرارات الاقتصادية، وسط مفارقة تواجه فيها الحكومة مطالب بخفض العجز واحتواء الدين، مقابل زيادة الإنفاق على التعليم والأجور والخدمات. ومع بلوغ الدَّين نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي، قد يؤدي التقشف إلى اتساع فجوة الثقة بين الدولة والمواطنين.
ولا يمكن إغفال العامل الخارجي؛ إذ أسهمت اضطرابات الطاقة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، وتعطُّل الإمدادات عبر مضيق هرمز في رفع التضخم الفرنسي إلى 3% في سبتمبر 2026، وَفْق تقديرات مرصد الاقتصاد الفرنسي؛ ما يجعل تهدئة الشارع مرتبطة أيضًا بأسعار النفط والغاز وتكاليف النقل.
وتواجه فرنسا بذلك أزمة تتجاوز غلاء المعيشة إلى تراجع الثقة بقدرة الدولة على حماية المستوى المعيشي والحفاظ على الاستقرار المالي. ويبقى التحدّي في تحقيق التوازن بين ضبط الدَّين، ودعم الفئات المتضرّرة، وتحسين الخدمات العامة، دون تعميق التباطؤ الاقتصادي أو زيادة دوافع الاحتجاج.
