الاثنين, 12 تشرين الأول / أكتوبر 2026

التَّضَخُّم وسِعْر الفَائِدَة والرِّبَا.. حُدود العَلاقَة والتَّأثير

التَّضَخُّم وسِعْر الفَائِدَة والرِّبَا.. حُدود العَلاقَة والتَّأثير
المشاهدات29
كتاب رقم #5

تناول الكتاب التضخّم كأحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول والحكومات، خاصةً أن له آثارًا على عدة مستويات، اجتماعيًّا وسياسيًّا، وعلى الرغم من وجود العديد من التجارب في مجال علاج التضخم، إلا أن غالبية التجارب لم تتمكّن من إيجاد حلّ جذري له؛ فسياسات استهداف التضخم غالبًا ما تستهدف علاج آثاره ونتائجه، مع تراجُع واضح في السياسات التي تستهدف معالجة أسبابه وجذوره، وهذا الواقع جعَل من التضخم أزمة اقتصادية تهدّد كبرى الاقتصادات الدولية.

 

يسعى هذا الكتاب لتقديم رؤية جديدة لطبيعة وماهية العلاقة التي تربط كلًّا من التضخم بالربا وبسعر الفائدة، وذلك على اعتبار أن سعر الفائدة من أكثر المفاهيم التصاقًا بالتضخم، كما أنه الأداة الاقتصادية الأكثر شيوعًا ضمن أدوات استهداف ومعالجة التضخم.

 

تناول الكتاب مختلف جوانب العلاقة بين كلّ من التضخم والربا وسعر الفائدة، وناقش أزمات التضخم الحادة التي تواجه غالبية الدول في عالم اليوم، مُحلِّلًا تأثير التضخم على مؤشرات أخرى متعددة، كالناتج المحلي الإجمالي والبطالة ومستوى التشغيل، وغيرها.

 

كما اهتم الكتاب بدراسة وتحليل الأدوات والسياسات المتَّبعة في علاج التضخم، مفصِّلًا في بعض تجارب الدول المتقدّمة والنامية، مع تحليل العلاقة بين سعر الفائدة والربا، وتحديد الآثار السلبية لكل منهما.

 

وأشار الكتاب إلى أنّ التضخم يعود لخلل في المعروض النقدي في السوق، وفي ذات الوقت يُعدّ سعر الفائدة من أسباب الخلل في المعروض النقدي.

وهذا يُعدّ مؤشرًا أوليًّا على أن سعر الفائدة قد يكون من أسباب التضخم، وبالتأكيد لا يمكن أن يكون سبب أيّ مشكلة عنصرًا من عناصر الحل.

 

وعرج الكتاب على قضية فاعلية السياسات النقدية في التعامل مع التضخم، وعلى رأسها سعر الفائدة؛ وأن هذه السياسات والأدوات تتجاهل طبيعة النقود الحالية، فالنقود الحالية هي نقود قانونية، بمعنى أن قيمتها تُستمَد من قبول السلطات النقدية لها، واعتمادها كوسيط للتبادل وحافظ للقيمة، فهي بعكس المعادن الثمينة (الذهب والفضة) لا قيمة حقيقية ذاتية لها؛ فهذه النقطة لم يتم أخذها بعين الاعتبار عند محاولة فَهْم جوهر التضخم النقدي؛ وفي ذات الوقت فإن التطورات التكنولوجية والاقتصادية أفرزت نمطًا جديدًا من النقود وهي النقود الإلكترونية، والتي تشهد انتشارًا متسارعًا على مستوى العالم أجمع، وهذه النقود تختلف في طبيعتها وجوهرها عن النقود الورقية الحالية؛ إذ لا وجود مادي لها، وهذه النقود لا بد من فَهْم طبيعتها بدقة؛ كونها تؤثر على التضخم بشكل أو بآخر، ولا بد من اختبار معيار سعر الفائدة وغيره من الوسائل النقدية في قدرته على معالجة التضخم.

 

وتوصّل الكتاب إلى أن سعر الفائدة -الذي يعني في جوهره زيادة كمية النقود مع الزمن بنسبة محددة- يعني أن النقود تزداد من تلقاء نفسها، وهذه الزيادة غير المستندة على عمل إنتاجي حقيقي تتقاطع مع جوهر التضخم الذي يشير إلى زيادة كمية النقود في السوق بشكل لا يتناسب مع الإنتاج الحقيقي؛ لذلك فإن التضخم وسعر الفائدة يتقاطعان بشكل مباشر عند قضية زيادة النقود في السوق، وهو ما يقود إلى أن سعر الفائدة لا يمكن أن يكون حلًّا للتضخم؛ كونه يتقاطع معه في الجوهر والدلالة الاقتصادية.

 

إن النظام النقدي الدولي، مع المنظومة المصرفية، يقومان على جملة من الأسس الراسخة، والتي تُعدّ بيئة مساعدة لارتفاع التضخم؛ فقد قام بحماية الدول الغربية من ارتدادات هذه الأدوات، بينما كانت الدول الفقيرة والنامية في مواجهة مباشرة مع تداعيات هذه الأدوات، وهو ما يظهر بشكل واضح من خلال معدلات التضخم المعتدلة نسبيًّا في الدول الغربية، بينما تشهد الاقتصادات النامية موجات حادة من التضخم، لذلك فإن أي حديث عن إصلاح نقدي أو مصرفي دولي لن ينجح إلا في حال علاج جذور المشكلة، وليس أعراضها، وذلك من خلال العمل على بناء نظام نقدي جديد، يضمن المساواة والعدالة الاقتصادية الدولية، والاستقرار الاقتصادي العالمي.

 

 

وتناول الكتاب موقف الشريعة الإسلامية من الربا أو سعر الفائدة؛ فقد حرّم الإسلام الربا تحريمًا قاطعًا، والتحريم هنا يعود للآثار السلبية التي يسببها الربا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وذات الأمر ينسحب على الاقتصاد الإسلامي، الذي رفض التعامل مع الربا أو القبول به.

 

كما رفض الإسلام من مبدأ اقتصادي وفقهي علاج التضخم بسعر الفائدة، وذلك انطلاقًا من قناعته بأن أسباب المشكلة لا يمكن أن تكون جزءًا من الحل؛ فالخطوة الأولى في حلّ أيّ مشكلة تتمثل في استبعاد الأسباب التي أدّت لحدوث المشكلة، فسعر الفائدة أدّى لخلل في توزيع الثروة بين الدول الغنية والفقيرة وبين أفراد المجتمع.

 

ولكن الإسلام لم يكتفِ بتحريم الربا، وبانتقاد استخدام سعر الفائدة في علاج التضخم، بل قدّم جملة من الحلول، إضافةً إلى ذلك فإن الاقتصاد الإسلامي يعتقد أن التضخم ليس مشكلة أصيلة في الاقتصاد، بل هي مشكلة طارئة سببها السياسات الاقتصادية القائمة بمجملها على سعر الفائدة، ولذلك فالعدالة الاقتصادية والاجتماعية والاستقرار الاقتصادي يبدأ بالاستغناء عن سعر الفائدة، وتقديم بدائل حقيقية وفعلية له.

 

إن البِنْية النظرية للاقتصاد الإسلامي والمرتبطة ببدائل سعر الفائدة تُعدّ ضعيفة الفاعلية، فالواقع يُحتّم الاعتراف بأن الاقتصاد الإسلامي حتى الآن لم يتمكن من تقديم صيغة اقتصادية متكاملة قادرة على قيادة الاقتصاد العالمي، فالنظام الاقتصادي العالمي السائد، وعلى الرغم من سلبياته العديدة، إلا أنه يمتلك أدوات تطبيقية وأُسسًا نظرية متكاملة، وهذا ما يفتقده الاقتصاد الإسلامي؛ لذلك فإن إيجاد بديل حقيقي وفعّال لسعر الفائدة وللنظام الاقتصادي الدولي السائد يتطلب تطوير البنية النظرية للاقتصاد الإسلامي، وبحث جوهر مشكلة سعر الفائدة، وهذا الأمر لا يمكن أن يضطلع به منظرو الاقتصاد الإسلامي بمفردهم، فلا بد من تضافر الجهود الاقتصادية مع الفقهية، فالحل من الممكن أن يكون من خلال مؤتمرات وندوات وأوراق علمية يقوم بها علماء الفقه والاقتصاد بالتشارك مع البنوك المركزية؛ فاجتماع كل أطراف العلاقة يُعدّ أمرًا حيويًّا لنجاح هذه المهمة، ولكن حتى الآن لم تتوفر هذه المتطلبات، فكل الجهود ما زالت تقتصر على الفكر الفردي، مع غياب شبه تام للعمل المؤسسي المتكامل.

 

التضخم من أكثر التحديات الاقتصادية تعقيدًا، ومن أكثرها تداخلًا مع المؤشرات الاقتصادية الأخرى، وتشابكًا مع المؤشرات السياسية والاجتماعية، ولا يمكن من خلال جهد بحثي واحد تقديم حلول ناجعة له؛ فالعمل البحثي والجهد العلمي قائم بطبيعته على تراكم الجهود البحثية، وتضافر جهود الباحثين، لذلك واستنادًا على هذا الطرح فإن هذا الكتاب قد يكون حلقة من حلقات البحث العلمي الساعي لإيجاد حلّ فعّال ونهائي للتضخم، ومساهمة حقيقية في تعميق الفهم الاقتصادي لهذه القضية، فالكتاب خطوة جديدة باتجاه تطوير البنية الاقتصادية النظرية الموجّهة للتضخم، ومحاولة للدمج التطبيقي بين الاقتصاد الإسلامي كنظام اقتصادي جديد وبين القضايا الاقتصادية الأكثر إلحاحًا في القاموس الاقتصادي.

جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media