حين يصبح النقل أغلى من النفط نفسه: اقتصاد جديد يعيد تعريف تجارة الخليج
سفينة عملاقة تحمل مليونَي برميل من النفط، وأجرة استئجارها ليوم واحد من عمل قصير نسبيًّا تقترب اليوم من ثماني مئة ألف دولار على الخط الرئيسي بين الخليج والصين.
هذا الرقم، الذي كان قبل عامَين خطأً مطبعيًّا، يكشف أن الأزمة التي يعيشها قطاع النفط حاليًّا لم تَعُد أزمة توفُّر المادة الخام بقدر ما هي أزمة القدرة على تحريكها من مكانٍ إلى آخر، وهو تحوُّل جوهري في طبيعة المخاطرة التي يتحمَّلها كل طرف في سلسلة الإمداد النفطية العالمية.
فأرباح الناقلات العملاقة على المسار المرجعي، من الشرق الأوسط إلى الصين، تقترب من مستوى قياسي يقارب ثماني مئة ألف دولار يوميًّا.
وللمقارنة، لم تتجاوز هذه الأرباح تاريخيًّا خمسة وأربعين ألف دولار يوميًّا في الأحوال العادية؛ ما يعني أن السوق تتحرَّك عند مستويات تفوق عشرين ضعف مُعدّلها التاريخي المعتاد. هذا التفاوت الهائل بين الوضع الراهن والمعيار التاريخي ليس نتيجة زيادة في تكلفة الوقود أو الصيانة، بل انعكاس مباشر لنُدرة مُتعمدة في عدد المُلّاك المستعدّين لتحمُّل مخاطر الدخول إلى مياه مضطربة أمنيًّا، وهي نُدرة تحوُّل كل سفينة متاحة إلى أصل إستراتيجي يُدفع مقابله علاوة مخاطرة تتضاعف كلَّما تصاعَد التوتر.
كذلك، فإن هذا الارتفاع لا يقتصر على مسار الخليج وحده، إذ بات نقل النفط من خليج المكسيك الأمريكي إلى آسيا يُكلّف تسعة وعشرين مليونًا ونصف مليون دولار للناقلة الواحدة، أيْ ما يقارب خمسة عشر دولارًا لكل برميل قبل احتساب مخاطر الحرب ورسوم التأخير الإضافية. وامتداد هذا الارتفاع القياسي إلى مسار بعيد جغرافيًّا عن مسرح الاضطراب الأساسي في الخليج؛ يُوضّح أن السوق العالمية لناقلات النفط باتت تعمل كوحدة واحدة متكاملة، إذ يُؤدّي شح الناقلات المستعدة للعمل في منطقة خطرة إلى تشديد المعروض من الناقلات في كل مسار آخر حول العالم؛ كَوْن كل سفينة تتردَّد في دخول الخليج تصبح متاحةً للمنافسة على مسارات أخرى، فترفع أسعارها هي الأخرى بفعل هذا الضغط غير المباشر.
واللافت أن شركة أبحاث الشحن كبلر تتوقَّع بقاء أرباح الناقلات العملاقة فوق مئة ألف دولار يوميًّا حتى العام المقبل، وهو مستوى يظل أكثر من ضِعْف المعدّلات التاريخية رغم كَوْنه أقل بكثير من الذروة الحالية. وهذا التوقُّع يحمل دلالة تتجاوز استمرار الأزمة الآنية، ذلك أنه يشير ضمنيًّا إلى أن السوق لا تتوقَّع عودة سريعة إلى الوضع الطبيعي السابق للحرب حتى في سيناريو انفراج جزئي للتوترات؛ حيث إنّ إعادة بناء الثقة الكافية لدى الملَّاك والمؤمّنين لخَوْض هذه المياه مجددًا بأسعار طبيعية تستغرق وقتًا أطول من الوقت الذي استغرقه تدهور الوضع الأمني نفسه.
وفي الوقت نفسه، فإنّ تراجُع حركة الناقلات عبر مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب يُعقّد وصول نفط الخليج إلى الأسواق، بالرغم من استمرار تدفُّق بعض الإمدادات عبر ترتيبات نقل بديلة تشمل تحويل جزءٍ من الخام السعودي إلى خط أنابيب بري يصل به إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. لكن هذا المخرج البديل واجه تعقيدًا إضافيًّا؛ إذ دفعت هجمات الحوثيّين حول باب المندب بعض الناقلات إلى تحميل الخام السعودي من منفذ على البحر المتوسط عبر خط أنابيب سوميد المصري، وهو مسار يضيف أكثر من ثلاثة أسابيع وملايين الدولارات إلى رحلة وصول النفط إلى آسيا مقارنةً بالمسار المباشر عبر باب المندب. هذا التسلسل من البدائل المتراجعة يكشف نمطًا متكررًا في هذه الأزمة؛ إذ يغلق كل مسار بديل الطريق أمام الطرف الذي يسبقه في سلسلة الاضطرابات، فيضطرّ المُصدّرون للتنقل بين حلول متعاقبة تتزايد تكلفتها الزمنية والمالية مع كل محطة جديدة.
الدرس الأعمق هنا يتجاوز أزمة الشحن الحاليَّة؛ فحين تتحوَّل تكلفة النقل من عنصر هامشي في معادلة السعر النهائي للنفط إلى مُكوّن رئيسي يقارب قيمة السلعة المنقولة ذاتها في بعض المسارات، تنكشف هشاشة بنيوية كامنة في نظام تجارة الطاقة العالمي، وهي أن هذا النظام صُمِّم على افتراض حرية حركة غير مُقيّدة عبر ممرات مائية مُحدَّدة العدد، لا على وجود بدائل حقيقية قابلة للتفعيل السريع عند إغلاق أي منها.
وهذا يعني أن كل نقطة اختناق جغرافية تتحوَّل من ممر عبور إلى نقطة ضعف إستراتيجية بمُجرَّد أن يصبح تعطيلها ممكنًا، بصرف النظر عن حجم الاحتياطيات النفطية المتوفّرة في مصدرها الأصلي.
