الجمعة, 11 أيلول / سبتمبر 2026

حين يتحوّل انفصال أوروبا عن الغاز الروسي إلى فاتورة تُسدَّد كل شتاء

حين يتحوّل انفصال أوروبا عن الغاز الروسي إلى فاتورة تُسدَّد كل شتاء
المشاهدات2
مقال رقم #626
Whatsapp
Facebook Share

الكرملين لا يكتفي بمراقبة ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا من بعيد، بل يبادر إلى التعليق عليه مباشرةً، معتبرًا أن الدول الأوروبية وجدت نفسها في موقف صعب بينما كان بإمكانها الحصول على الغاز بأسعار أرخص من روسيا. هذا التصريح، الصادر عن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، لا يحمل قيمة إخبارية كبيرة بذاته، ذلك أن موسكو دأبت على تكرار هذا الخطاب منذ سنوات.

 

لكنّ توقيت تكراره الآن -متزامنًا مع وصول الأسعار الأوروبية إلى أعلى مستوى لها منذ نهاية عام 2022-، يكشف عن آلية أعمق تتجاوز السخرية السياسية العابرة، وهي أن كل قرار إستراتيجي يقطع رابطًا اقتصاديًّا قائمًا يفتح، بالضرورة، ثغرة جديدة يمكن لطرف آخر استغلالها متى ما تبدَّلت ظروف السوق.
 
فأسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزت إلى نحو خمسة وسبعين يورو لكل ميغاواط/ساعة الأسبوع الماضي، وهو مستوى يفوق ضعف ما كانت عليه الأسعار قبل عام واحد فقط. وهذا الارتفاع الحاد يتزامن مع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أدَّت إلى اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الشرق الأوسط في وقتٍ تتزايد فيه المنافسة على الشحنات المتاحة عالميًّا قبيل دخول فصل الشتاء.

 

والربط هنا ليس ربطًا ظرفيًّا عابرًا؛ لكون اعتماد أوروبا المتزايد على الغاز المسال، بدل الإمدادات الروسية عبر الأنابيب التي قطعتها القارة بعد الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، جعلها تنتقل من نظام إمداد ثابت نسبيًّا ومحدد الأطراف إلى نظام إمداد مفتوح تتنافس فيه مع آسيا ومناطق أخرى من العالم على السلعة ذاتها.
 
وكذلك فإن هذا التحوّل في بنية الإمداد يحمل تكلفة خفية لم تكن ظاهرة بوضوح في السنوات الأولى بعد قطع الغاز الروسي؛ إذ يقول بيسكوف صراحة: إن أوروبا تَضُرّ نفسها من خلال شراء الغاز بأسعار مرتفعة وفق الأسعار الفورية، بدلًا من الحصول عليه بأسعار معقولة ثابتة من روسيا.

 

وهذا التوصيف، وإن صدر عن طرف له مصلحة مباشرة في الترويج له، يستند إلى فارق فِعْلي بين نظامين للتسعير، ذلك أن عقود الغاز طويلة الأجل عبر الأنابيب توفّر استقرارًا سعريًّا تفتقر إليه السوق الفورية للغاز المسال، التي تتحرَّك أسعارها صعودًا وهبوطًا وفق كل اضطراب جيوسياسي يقع في أيّ بقعة من العالَم، بصرف النظر عن مصدره أو علاقته المباشرة بأوروبا.
 
واللافت أن هذا الضعف البنيوي لم يظهر فجأة، بل تراكَم تدريجيًّا منذ قرار القطيعة الأولى؛ إذ تحسّن أمن الطاقة الأوروبي من ناحية تقليل الاعتماد المباشر على مورد واحد يمكن استخدامه كورقة ضغط سياسي، لكنّه في المقابل زاد من تعقيد ديناميكيات السوق بحيث أصبحت اضطرابات الإمداد في أيّ منطقة من العالم قابلة للانتشار إلى الأسواق الأوروبية بشكل شبه فوري. هذا يعني أن الأمن الإستراتيجي، المتمثل في تقليل الاعتماد على مورد سياسي واحد، والأمن الاقتصادي، المتمثّل في استقرار الأسعار وقابلية التنبؤ بها، ليسا هدفين متطابقين بالضرورة، بل قد يتعارضان في لحظات معينة يدفع فيها أحدهما ثمن تحقيق الآخر.
 
وفي الوقت نفسه، فإن استغلال موسكو لهذه اللحظة تحديدًا يكشف عن منطق تفاوضي أوسع يتجاوز قطاع الطاقة وحده؛ إذ تراهن روسيا على أن تكرار هذا النوع من التذكير، كل مرة ترتفع فيها الأسعار الأوروبية بفعل عوامل خارجة عن سيطرة موسكو نفسها، يُعيد فتح النقاش الداخلي الأوروبي حول جدوى القطيعة الكاملة مع الغاز الروسي، حتى وإن لم يُترجَم هذا النقاش إلى قرار سياسي فِعْلي بالعودة إلى الاستيراد المباشر.

وبعبارة أخرى، فإن الكرملين لا يسعى بالضرورة إلى استعادة صفقات غاز فورية، بقَدْر ما يسعى إلى إبقاء فكرة "الخيار الروسي الأرخص" حاضرة في الذهنية السياسية الأوروبية، بما يُضْعِف الإجماع الداخلي حول استمرار العقوبات وقطع الروابط الاقتصادية على المدى الطويل.
 
الدرس الأعمق هنا يتجاوز أزمة الغاز الأوروبية لهذا الشتاء تحديدًا: فكل قرار إستراتيجي بقطع الاعتماد على مورد بعينه، مهما كانت مبرراته الأمنية والسياسية وجيهة، ينقل المخاطرة من نوع معروف ومُدار إلى نوع آخر أقل وضوحًا وأصعب تحديدًا، وهو مخاطرة التعرُّض لتقلُّبات سوق مفتوحة تتحكم بها عوامل متعددة ومتفرقة جغرافيًّا.

 

والخصم الذي خسر موقعه كمورد مباشر لا يفقد بالضرورة قدرته على التأثير، بل يُعيد توظيف هذا التأثير في صورة جديدة، عبر تحويل كل أزمة سعرية لاحقة إلى دليل داعم لروايته الخاصة عن جدوى العلاقة التي قُطعت، وهي رواية تكتسب مصداقية إضافية في كل مرة تتكرّر فيها الأزمة، بصرف النظر عن مدى استقلالية سببها الفعلي عن الطرف الذي يرويها.
 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media