من مليون برميل إلى صفر! كيف تحوّل ميناء الهروب الإيراني إلى شاهد على فشل الالتفاف؟
بُني ميناء جاسك على خليج عُمان لسبب واحد: تفادي مضيق هرمز الذي تراقبه البحرية الأمريكية عن كثب. لكنّ هذا الميناء نفسه سجّل في الأسبوع الأول من سبتمبر صفر برميل مصدَّر، بعدما كان يضخ 129 ألف برميل يوميًّا في مارس.
هذا الانهيار، من 129 ألفًا إلى لا شيء خلال ستة أشهر، لا يروي قصة ميناء متعثر بقَدْر ما يروي قصة إستراتيجية بأكملها بلغت نهايتها: إستراتيجية بناء مسارات بديلة لتفادي الحصار، التي راهنت عليها طهران طويلًا، ثبت أنها تعمل فقط في غياب رقابة أمريكية مباشِرة على المسار البديل ذاته.
اللافت أن التراجع لم يكن مفاجئًا بل تدريجيًّا ومتسلسلًا: من 129 ألف برميل في مارس، إلى 76 ألفًا في يوليو، إلى 33 ألفًا في أغسطس، إلى صفر في سبتمبر. هذا التدرُّج يكشف عن منطق مختلف عن منطق الحظر المفاجئ؛ فهو يعكس عملية إحكام تدريجي للخناق تتقدّم بوتيرة تتناسب مع اتساع رقعة المراقبة الأمريكية وتزايد عدد النقاط التي تُغطّيها القوات الأمريكية على طول الممرات البحرية. وفي الوقت نفسه، فإن هذا التزامن بين تراجع صادرات جاسك واستهداف القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" لثلاث ناقلات نفط إيرانية؛ واحدة قبالة جزيرة خرج، وأخرى قرب جاسك نفسه، وثالثة فارغة في خليج عُمان؛ يوضّح أن الحصار لم يَعُد يعتمد على العقوبات المصرفية أو المالية وحدها، بل انتقل إلى الاعتراض المباشر والفعلي للسفن في عرض البحر، وهذا تحوُّل نوعي في طبيعة الأداة المستخدَمة لا في حجم الضغط فحسب.
كذلك فإن جاسك لم يكن يومًا بديلًا كاملًا بالمعنى الحقيقي، بل بديلًا جزئيًّا محدود السعة منذ البداية؛ فقد بلغت طاقته التصميمية مليون برميل يوميًّا، بينما لم تتجاوز قدرته الفعلية 70 ألف برميل يوميًّا حتى في أفضل حالاته المسجَّلة خلال أبريل.
هذه الفجوة بين الطاقة النظرية والقدرة الفعلية تكشف أن الميناء كان أقرب إلى أداة دعائية-سياسية تُوحي بوجود مسار هروب متاح، أكثر من كونه حلًّا لوجستيًّا قادرًا على تعويض تَعطُّل مضيق هرمز أو جزيرة خرج بصورة جوهرية.
وحين يتراجَع هذا البديل المحدود أصلًا إلى الصفر، فإن ما يُفقَد ليس فقط كمية من النفط، بل الوهم القائل بوجود مسار مُوازٍ يمكن الرهان عليه عند تشديد الحصار على المسارات الرئيسية.
أما جزيرة خرج، الميناء الرئيسي الذي كانت تمر عبره نحو 90% من صادرات الخام الإيراني قبل الحرب؛ فقد شهد بدوره توقفًا شبه كامل لحركة الملاحة، بحسب بيانات شركة تتبع الناقلات "تانكر تريكرز"؛ التي أفادت بأن الناقلات المُحمَّلة توقَّفت عن العبور، وعادت فارغة منذ الإعلان الرسمي عن الحصار البحري.
وهذا يعني أن ما يجري ليس تراجعًا في مسار واحد بديل بينما يبقى المسار الأصلي فعّالًا، بل يعني تعطلًا متزامنًا للمسارين الرئيسي والبديل معًا، وهو ما يُفسّر لماذا أظهرت بيانات شركة "كبلر" أن إجمالي الشحنات الإيرانية هبط إلى نحو 260 ألف برميل يوميًّا مقارنةً بنحو 1.7 مليون برميل يوميًّا قبل عام، رغم أن بعض الشحنات لا تزال تجد طريقها عبر الشاحنات والقطارات البرية بدل السفن.
هذا التزامن بين تشديد الحصار البحري وتوسّع العقوبات على الشبكات المالية الموازية -التي اعتمدت عليها طهران عقودًا للالتفاف على القيود عبر قنوات تمويل ومقايضة غير مباشرة-؛ يُفسِّر لماذا لم يَعُد الحصار الحالي يشبه موجات العقوبات السابقة التي واجهتها إيران منذ 2018.
فالفارق الجوهري هذه المرة أن الضغط يستهدف الحلقتين معًا في وقتٍ واحد: القدرة على النقل الفعلي للنفط، والقدرة على تحويل عائداته إلى عُملة صعبة قابلة للاستخدام. وحين تنسدّ الحلقتان في آنٍ واحد، يفقد نظام الالتفاف عنصره الأساسي، وهو المرونة التي تسمح بإيجاد ثغرة بديلة كلما أُغلقت أخرى؛ لأن الثغرات نفسها -الموانئ البديلة والقنوات المالية الموازية- باتت جزءًا من دائرة الاستهداف لا خارجها.
الدرس الأعمق هنا يتجاوز حالة إيران بعينها؛ فحين تتحوَّل أدوات الالتفاف على العقوبات نفسها -الموانئ البديلة، الناقلات المموَّهة، الشبكات المالية الموازية- إلى أهداف مباشِرة للرقابة والاعتراض؛ فإن منطق "الاقتصاد الموازي" الذي تعتمد عليه الدول الخاضعة لحصار طويل الأمد يفقد شرطه الأساسي للاستمرار، وهو أن يبقى غير مرئي بما يكفي ليعمل.
فبمجرد أن يصبح المسار البديل معروفًا ومرصودًا بالقدر نفسه الذي يُرصَد به المسار الأصلي، يتحوَّل من أداة نجاة إلى مجرد امتداد آخر للحصار ذاته، ويصبح السؤال عندئذ ليس "أين المسار التالي؟"، بل "متى يُكتَشَف ويُغلَق المسار التالي أيضًا؟".
