الصينيون يرفضون الاقتراض... لماذا؟
بينما يشتكي الغرب من فوائد مرتفعة تجعل الاقتراض مُكلِّفًا، تُواجه الصين مشكلة معاكسة تمامًا؛ فوائد منخفضة نسبيًّا، لكن لا أحد يريد أن يقترض.
قروض الأُسَر الصينية تراجعت بنحو 366,8 مليار يوان خلال النصف الأول من 2026، رغم أن البنك المركزي الصيني خفَّض الفائدة عدة مرّات لتحفيز الإنفاق.
هذا التناقض؛ سياسة نقدية ميسّرة تقابلها رغبة شعبية في الانكماش لا التوسع، هو جوهر مشكلة الاقتصاد الصيني اليوم.
السبب الحقيقي ليس ثقافيًّا بل حسابيًّا بحتًا؛ فالأسرة الصينية التي فقَد بيتها 20 عامًا من مكاسبه العقارية لن تَقترض لشراء سيارة أو تجديد منزل، وهي غير متأكّدة من قيمة أصولها أصلًا.
حين تنخفض الأسعار باستمرار، كما يحدث في الصين للربع العاشر على التوالي، يصبح تأجيل الشراء قرارًا منطقيًّا وليس كسلًا استهلاكيًّا؛ فالسلعة التي تُشتَرى اليوم قد تكون أرخص الشهر القادم، ما يَخلق حلقة مفرّغة تُضْعِف الطلب أكثر فأكثر.
البنوك نفسها ليست بريئة من المشكلة؛ فهي مُثقَلة بقروض عقارية متعثرة، ما يجعلها أكثر حذرًا في إقراض الشركات الخاصة حتى عند توافر السيولة.
هذا الأمر يضع بكين أمام معضلة لا يحلّها خَفْض الفائدة وحده؛ فالفائدة المنخفضة تخاطب مَن يريد الاقتراض أصلًا، لا مَن فقَد الثقة في المستقبل الاقتصادي لبيته ووظيفته.
لذلك تتّجه الحكومة الصينية لحلّ بديل؛ يتمثل في توجيه الائتمان قسريًّا نحو قطاعات مُحدّدة كالتكنولوجيا والصناعة المتقدّمة بدلًا من انتظار طلب طبيعي على القروض، في محاولةٍ لخلق نموّ من جهة العرض بينما يظل الطلب الداخلي كاسدًا.
الفارق بين الغرب والصين هنا جوهري؛ الغرب يُعاني من اقتراض مُكلِّف لأن الاقتصاد ساخن والتضخم مرتفع، بينما تعاني الصين من عزوف عن الاقتراض؛ لأن الاقتصاد بارد والثقة مفقودة، وهذا النوع الثاني من المشكلات أصعب علاجًا بكثير من الأول.
