الجمعة, 28 آب / أغسطس 2026

العقوبات الثانوية على إيران... حين يصبح الاختيار محسومًا سلفًا

المشاهدات2
Whatsapp
Facebook Share

فعّالية العقوبات الثانوية الأمريكية على إيران تقوم على مبدأ اقتصادي بسيط؛ حين يُجبَر أيّ طرف اقتصادي، دولةً كان أو شركة، على الاختيار بين السوق الأمريكية والعلاقة التجارية مع طهران؛ فإن الفارق الهائل في الحجم يجعل القرار شِبْه محسوم مسبقًا. حجم التبادل الصيني الأمريكي وحده يفوق نظيره الصيني الإيراني بأكثر من عشرة أضعاف.

وهذه الدول التي تُفاضِل بين علاقتها الاقتصادية مع إيران وعلاقتها مع أمريكا ستجد نفسها في النهاية أمام معادلة محسومة تقريبًا؛ فأمريكا هي الرابحة في هذا التفاضل بحُكْم حجم السوق وحده، حتى قبل أيّ ضغط سياسي مباشر.

 

التجربة التاريخية مع عقوبات مشابهة، سواء على إيران منذ 2012 أو على روسيا بعد 2022، تكشف نمطًا متكررًا؛ العُزلة الكاملة نادرًا ما تتحقّق بسبب وسائل التحايل المعروفة كالأساطيل السرية، وإعادة التصدير عبر أطراف ثالثة. لكن العقوبات تنجح عادةً في تقليص الإيرادات النفطية والقدرة المالية للدولة المستهدَفة بشكل ملموس. في حالة إيران تحديدًا؛ حيث تُشكّل عائدات النفط جزءًا كبيرًا من الموازنة الحكومية؛ فإن هذا التقليص يُترجَم مباشرةً إلى ضغط اقتصادي متصاعد يَصْعُب تعويضه بالكامل عبر آليات التهريب وحدها.

 

هذا الضغط يطرح سؤالًا بسيطًا: ماذا يحدث حين تصبح تكلفة الاستمرار في الوضع الحالي أثقل من تكلفة المخاطرة؟ في هذه اللحظة بالذات، قد يُقرّر أيّ نظام تحت الحصار أن التصعيد، رغم خطورته، يستحق المحاولة؛ لأنه قد يُغيِّر قواعد اللعبة لصالحه. لكنّ الحساب الاقتصادي البارد يقول عكس ذلك تمامًا؛ فخسائر أيّ مُواجهة مباشرة، من دمار في البنية الاقتصادية والبشرية إلى فرص ضائعة يصعب تعويضها لاحقًا، أكبر بكثير من أيّ مكسب مُحتمَل من كسر الحصار بالقوة.

 

قدرة إيران على المناورة في مواجهة هذه العقوبات ستكون محدودة جدًّا مقارنةً بالمرات السابقة؛ فوسائل التحايل التقليدية باتت أضيق بعد سنوات من المراقبة الأمريكية المكثّفة لها، وأيّ محاولة تكيُّف جديدة ستصطدم بشبكة عقوبات أوسع وأكثر تنسيقًا من ذي قبل. نجاح هذه العقوبات في نهاية المطاف لا يعتمد على صرامة النص القانوني وحده، بل على مدى التزام شركاء إيران الكبار كالصين بتطبيقها فعليًّا بدل التحايل عليها، وهذا العامل وحده كفيل بأن يجعل المرحلة المقبلة أصعب على طهران من أيّ مرحلة سابقة.

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media