لماذا لا يزال دور اليوان الصيني محدودًا في الاحتياطات العالمية؟
بالرغم من صعود الصين لتصبح واحدةً من أكبر اقتصادات العالم وتوسّع نفوذها التجاري، ما زال اليوان محدود الحضور في احتياطات البنوك المركزية، في مفارقةٍ تكشف أن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي لصناعة عُملة احتياط عالمية؛ فامتلاك الصين قاعدة صناعية ضخمة وشبكة تجارية واسعة لا يعني استعداد المستثمرين والحكومات للاحتفاظ بعُملتها بوَصْفها أصلًا آمنًا طويل الأجل.
وتكمن العقبة الرئيسة في القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال، ومحدودية قابلية اليوان للتحويل الكامل، إلى جانب تدخُّل السلطات الصينية في إدارة سعر الصرف والسياسة النقدية؛ فالبنوك المركزية تحتاج إلى عملة تستطيع شراءها وبيعها بحُريّة، وتحويلها بسرعة، والاحتفاظ بأصول مقومة بها دون مخاوف من قيود مفاجئة.
كما أن هيمنة الدولار لا ترتبط فقط بحجم الاقتصاد الأمريكي، بل بعُمق أسواق السندات الأمريكية وسيولتها، وتوافر أدوات مالية واسعة، والثقة في إمكانية الوصول إلى الأموال وقت الأزمات. وهذه ميزة لا يزال اليوان يفتقر إلى جزءٍ مهمّ منها.
وتكشف الأرقام حجم الفجوة، إذ بلغت حصة اليوان نحو 2.11% من احتياطات النقد الأجنبي العالمية في الربع الثاني من 2026، مقابل 56.7% للدولار و20.6% لليورو، وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي. وهذا يعني أن تراجُع الهيمنة النسبية للدولار لم يتحوَّل تلقائيًّا إلى صعود مماثل للعملة الصينية.
وهناك زاوية أخرى تتعلق بالتنافس الجيوسياسي، بكين تسعى إلى توسيع استخدام اليوان في تجارة الطاقة والسِّلَع، وتطوير نظام المدفوعات العابرة للحدود، وإبرام اتفاقيات مبادلة العملات مع شركائها، بما يُقلّل اعتمادها على الدولار ويمنحها هامشًا أكبر في مواجهة العقوبات الأمريكية. لكن نجاح هذه الخطوات في تسوية التجارة لا يعني تحوُّل اليوان إلى مخزن عالمي للقيمة.
المفارقة أن الصين تريد تدويل عُملتها دون التخلي عن سيطرتها على نظامها المالي. وهنا تكمن المعضلة؛ لأن تعزيز مكانة اليوان يتطلب انفتاحًا ماليًّا أكبر ومرونةً في سعر الصرف، وهي خطوات قد تتعارض مع أولويات بكين المتعلقة بالاستقرار والسيطرة على حركة رؤوس الأموال.
لذلك، يبدو أن اليوان مرشَّح لتعزيز حضوره بوَصْفه عملة للتجارة والتسويات الثنائية، لكن منافسة الدولار على موقع العملة الاحتياطية الأولى ستظل عملية طويلة، تتطلب بناء الثقة وفتح الأسواق المالية الصينية أمام العالم.

