حين تصبح الأخبار الاقتصادية الجيدة أخبارًا سيئة للأسواق!
الخوف عاد إلى سوق السندات العالمية؛ رهانات رفع الفيدرالي للفائدة في سبتمبر قفزت إلى 74%، بعدما كانت عند 34% فقط قبل أيام قليلة. المُحفّز المباشر جاء من تجدُّد الضربات بين أمريكا وإيران بعد أكثر من شهر من الهدوء النسبي، ما دفَع أسعار النفط للارتفاع مجددًا، وأعاد إحياء مخاوف التضخم في وقتٍ كانت الأسواق تُراهن فيه على استقرار نسبي.
لكن الأزمة لم تَعُد أمريكية فقط؛ فعائد سندات اليابان لعشر سنوات وصل إلى 2,99%، وهو الأعلى منذ 1996، أي منذ ثلاثين عامًا كاملة. أستراليا سجَّلت أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد ونصف، وألمانيا بلغت أعلى عائد لها منذ 2011، وفرنسا وصلت لأعلى مستوى منذ 2008، بينما تجاوزت بريطانيا أعلى مستوياتها منذ أزمة 2008 المالية.
هذا التزامن العالمي يكشف أن المشكلة ليست في اقتصاد واحد يُواجه ضغطًا استثنائيًّا، بل في تقاطع عدة عوامل ضغط في وقتٍ واحد؛ النفط المرتفع بفعل الحرب، والعجز المالي المتصاعد في كل الاقتصادات الكبرى تقريبًا، والدَّيْن الأمريكي الذي تجاوز 40 تريليون دولار للمرة الأولى هذا الشهر، إلى جانب إصدارات ضخمة من سندات الشركات لتمويل طفرة إنفاق الذكاء الاصطناعي التي تتنافس على السيولة المتاحة في السوق نفسها.
إذا أصبحت الوظائف القوية والنمو القوي سببًا للخوف من رفع الفائدة، فهذا يعني أن السوق دخل مرحلة نادرة تصبح فيها الأخبار الاقتصادية الجيدة أخبارًا سيئة، لكنّ هذا ليس انقلابًا كاملًا في منطق الأسواق بقدر ما هو انعكاس لمرحلة محددة زمنيًّا؛ فحين يكون التضخم هو الهاجس الأكبر لا التباطؤ الاقتصادي، فإن أيّ مؤشر على قوة الاقتصاد يُقرَأ كضوء أخضر لرفع الفائدة، ورفع الفائدة يعني تكلفة اقتراض أعلى تضغط على تقييمات الأصول قبل أن تنعكس فوائدها على الاقتصاد الحقيقي لاحقًا. هذا النمط عادةً ما يكون مؤقتًا، لكنّه يستمر طالما بقي التضخم هو الشاغل المهيمن على قرارات البنوك المركزية حول العالم في وقت واحد، وهذا التزامن العالمي تحديدًا هو ما يجعل الخروج من هذه المرحلة أبطأ وأكثر تعقيدًا من أزمة محلية في اقتصاد واحد فقط.
