الاثنين, 07 أيلول / سبتمبر 2026

سوريا.. ساحة تنافُس إقليمي

سوريا.. ساحة تنافُس إقليمي
المشاهدات1
مقال رقم #581
Whatsapp
Facebook Share

سوق إعادة إعمار سوريا تُقدَّر بنحو 400 مليار دولار، وهذا الرقم وحده يفسّر جزءًا من التنافس الدولي على الاستثمار بها؛ لكن المال ليس السبب الوحيد. السعودية وقطر سدّدتا في مايو 2025 كامل متأخرات سوريا للبنك الدولي، البالغة نحو 15,5 مليون دولار فقط، وهو مبلغ صغير نسبيًّا، لكنه فتح الباب أمام سوريا للحصول على قروض ومِنَح دولية جديدة بعد توقف دام أكثر من 14 عامًا. 

 

بعدها بأشهر، أعلن الرئيس أحمد الشرع في منتدى الرياض للاستثمار أن شركات سعودية كبرى استثمرت بالفعل نحو 7 مليارات دولار في بلاده، ثم وقّعت السعودية في فبراير 2026 حزمة إضافية بنحو 2,8 مليار دولار شملت مطارين في حلب ومشروع اتصالات بقيمة مليار دولار. تركيا من جهتها وسَّعت تجارتها مع سوريا إلى نحو 1,9 مليار دولار خلال سبعة أشهر فقط من عام 2025، وأطلقت خط أنابيب غاز من كيليس إلى حلب لتزويد سوريا بالطاقة الأذربيجانية.

 

دعم السعودية والإمارات لسوريا الجديدة يتجاوز البُعْد الاقتصادي إلى حسابات الأمن القومي العربي؛ فإخراج سوريا نهائيًّا من مدار النفوذ الإيراني، الذي استنزف البلاد لعقد ونصف، يغلق واحدة من أخطر البوابات التي استخدمتها طهران لتمرير نفوذها ودعمها العسكري نحو المتوسط. استقرار سوريا بعيدًا عن إيران يعني عمليًّا تحصين خط دفاع عربي كان مخترقًا لسنوات، ويمنح دول الخليج شريكًا إقليميًّا جديدًا بدلًا من ساحة نفوذ خصم. تركيا من جهتها تسعى لاحتواء النفوذ الكردي في شمال شرق سوريا وضمان أمن حدودها الجنوبية، إلى جانب فتح سوق إعادة إعمار ضخمة لا تنافسها فيها عالميًّا سوى الشركات الصينية. قطر تراهن على علاقاتها القديمة مع الحكومة السورية الجديدة، عبر تحالف تركي قطري يضم شركة "يو سي سي القابضة" التي وقّعت وحدها اتفاقيات بقيمة 11 مليار دولار، أي ما يقارب 43% من إجمالي الاستثمارات المعلنة في سوريا خلال عام واحد.

 

هذا التزاحم لا يخلو من احتكاك؛ فالمصالح الإقليمية المتقاطعة، بين رغبة تركية في احتواء الأكراد وحسابات إسرائيلية لحماية أمنها من أيّ تموضع عسكري قريب من حدودها، أنتجت بالفعل مواجهات محدودة داخل الأراضي السورية خلال العام الماضي. المفارقة اللافتة، وفق تقدير نُشر في فبراير 2026، أن الاستثمارات الغربية والمؤسسية عبر الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي لم تتجاوز حينها 766 مليون دولار مجتمعة، مقابل أكثر من 28 مليار دولار من التزامات خليجية ثنائية بلا شروط حوكمة صارمة؛ فارق بلغ نحو 36 ضعفًا وقت رصده، يعكس حجم الثقل الخليجي الفعلي في مسار إعادة بناء سوريا مقارنة بالتمويل الغربي المشروط.

 

سوريا اليوم ليست فقط دولة تُعاد إعمارها، بل ساحة تُعاد فيها صياغة موازين النفوذ الإقليمي بالكامل.

 

روزنامة المقالات
Loading
جميع الحقوق محفوظة 2026 © منصّة نمــــــاء الإعلامية Namaa Media