النحاس يقترب من قمّته الرسوم الأمريكية تُربك المخزون العالمي
ملخص تنفيذي
اقترب النحاس من قمّته التاريخية بعدما صعد في بورصة لندن للمعادن إلى 14,343 دولارًا للطن، قريبًا من الذروة السابقة البالغة 14,527.50 دولار، في وقتٍ لا تعاني فيه السوق نقصًا عالميًّا واضحًا في المعدن. جوهر التحوّل أن تهديد الرسوم الأمريكية على النحاس المُكرَّر دفَع التجار إلى شَحْن كميات كبيرة نحو مستودعات COMEX في الولايات المتحدة، ما خفَّض الكميات المتاحة في أسواق أخرى، وأعاد تسعير المخزون العالمي على أساس الموقع لا الحجم فقط.
• ارتفع النحاس في بورصة لندن إلى 14,343 دولارًا للطن.
• بلغت طلبات سحب النحاس من مستودعات بورصة لندن 65,400 طنّ خلال أيام قليلة.
• ارتفعت مخزونات COMEX الأمريكية لمدة 46 يومًا متتاليًا إلى مستوى قياسي عند 675,185 طنًّا.
• كانت التقديرات تشير إلى فائض عالمي قدره 639 ألف طن في 2026، لكنّ تركُّز المعدن في الولايات المتحدة جعَل السوق تبدو أقرب إلى التوازن.
• استوردت الولايات المتحدة نحو 885 ألف طن من النحاس المُكرَّر في النصف الأول من 2026، بأكثر من ضعف واردات النصف الأول من 2024.
مقدمة
لم تَعُد حركة النحاس تعكس معادلة العرض والطلب التقليدية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمكان وجود المعدن داخل المستودعات العالمية. فالسوق التي تبدو فائضة على الورق تتحوَّل عمليًّا إلى سوق مشدودة عندما تنتقل الكميات المتاحة إلى الولايات المتحدة استعدادًا لاحتمال فرض رسوم على النحاس المُكرَّر ابتداءً من 2027. هذا التحوّل يُوضّح أن المخزون العالمي لا يكفي وحده لتهدئة الأسعار؛ الأهم هو أين يوجد هذا المخزون، وهل يمكن استخدامه خارج الولايات المتحدة أم سيبقى محجوزًا داخل السوق الأمريكية.
وتزداد أهمية النحاس لأنه يدخل في شبكات الكهرباء، ومراكز البيانات، والسيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والتصنيع الدفاعي. لذلك لا تتعامل الأسواق معه كمعدن صناعي عادي، بل كمُؤشّر مُبكّر على تكلفة التحوُّل الكهربائي والصناعي. وعندما ترتفع الأسعار قرب القِمَم التاريخية بسبب الرسوم والمخزون؛ فإن الأثر لا يبقى داخل البورصات، بل ينتقل إلى الشركات التي تحتاج النحاس في الكابلات، المحوّلات، الشبكات، المعدات، والبنية التحتية الرقمية.
أولًا: لماذا ارتفع النحاس رغم وجود فائض؟
المفارقة الأساسية أن النحاس يقترب من قمته التاريخية في وقتٍ لا تُظْهِر فيه السوق نقصًا عالميًّا صافيًا. التقديرات السابقة كانت تشير إلى فائض عالمي في 2026، لكنّ هذا الفائض لم يَعُد متاحًا بالتساوي للمستهلكين. فقد خلقت الفجوة السعرية بين الولايات المتحدة وبورصة لندن حافزًا قويًّا لشحن المعدن إلى المستودعات الأمريكية، خصوصًا مع ترقُّب قرار الرسوم على النحاس المُكرَّر.
هذا يعني أن المشكلة ليست في غياب النحاس من العالَم، بل في انتقاله إلى مكان واحد. وعندما تدخل كميات كبيرة إلى مستودعات أمريكية، تنخفض الكميات المتاحة في لندن وآسيا، فيرتفع السعر خارج الولايات المتحدة رغم أن إجمالي المخزون العالمي يبدو مرتفعًا. لذلك تحوَّلت السوق من فائض نظري إلى شُحّ عَملي في المناطق التي تحتاج المعدن فورًا.
مؤشرات سوق النحاس
المؤشر
المستوى المسجل
سعر النحاس في بورصة لندن
14,343 دولارًا/طن
القمة التاريخية السابقة
14,527.50 دولار/طن
طلبات السحب من مستودعات لندن
65,400 طنّ
مخزونات COMEX الأمريكية
675,185 طنًّا
الفائض العالمي المتوقع سابقًا
639 ألف طن
واردات أمريكا في النصف الأول 2026
885 ألف طن
«
أبرز الدلالات الاقتصادية
• الفائض لا يعني وَفْرة فِعْلية
عندما ينتقل المخزون إلى السوق الأمريكية؛ تصبح المناطق الأخرى أقل قدرةً على الحصول على المعدن بالسعر نفسه والسرعة نفسها.
• الرسوم تُغيّر حركة التجارة قبل تطبيقها
مجرد احتمال فرض رسوم ابتداءً من 2027 دفَع التجار إلى تغيير مسارات الشحن، وتخزين المعدن داخل الولايات المتحدة.
• بورصة لندن تكشف الشُّحّ الفِعلي
طلبات السحب الكبيرة من المستودعات تعني أن المشترين يبحثون عن معدن متاح للتسليم لا عن أرقام مخزون عامة.
• الموقع أصبح جزءًا من السعر
طنّ النحاس الموجود في أمريكا لا يساوي عمليًّا طن النحاس المتاح في لندن أو آسيا عندما ترتفع تكلفة إعادة التصدير وتختلف الرسوم.
ثانيًا: الرسوم الأمريكية تُعيد توجيه المعدن
تتعامل السوق مع احتمال فرض رسوم أمريكية على النحاس المُكرَّر بوصفه عاملًا كافيًا لتغيير التجارة العالمية. فالحديث يدور حول رسوم بنسبة 15% ابتداءً من 1 يناير 2027، ترتفع إلى 30% في 2028 إذا مضَت واشنطن في القرار. هذا الاحتمال جعَل تخزين النحاس داخل الولايات المتحدة خيارًا تجاريًّا مربحًا؛ لأن الأسعار الأمريكية الأعلى تُغطّي تكلفة الشحن وتمنح التجار هامشًا إضافيًّا.
وتظهر النتيجة في واردات الولايات المتحدة. فقد استوردت أمريكا نحو 885 ألف طن من النحاس المُكرَّر في النصف الأول من 2026، بزيادة 3% عن الفترة نفسها من العام السابق، وبأكثر من ضعف واردات النصف الأول من 2024. كما سجَّلت واردات 2025 مستوى قياسيًّا عند 1.64 مليون طن. هذه الأرقام تُوضّح أن السوق الأمريكية تمتص كميات كبيرة قبل اتضاح القرار النهائي.
أبرز الدلالات الاقتصادية
• النحاس يقيس تكلفة الكهرباء الجديدة
كل توسُّع في الشبكات والمراكز الصناعية يَمُرّ عَبْر النحاس، لذلك ترتفع تكلفة البِنْية التحتية عندما يرتفع المعدن.
• التكنولوجيا لا تنفصل عن المعادن
مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تحتاج إلى طاقة، والطاقة تحتاج إلى شبكات، والشبكات تحتاج إلى النحاس.
• الصناعة تُواجه تكلفة مُدْخلات أعلى
ارتفاع النحاس ينتقل إلى الكابلات والمعدات والمحولات والسيارات والمباني.
• المعادن الصناعية تدخل السياسة التجارية
عندما تصبح مادة مثل النحاس أساسية للدفاع والطاقة والتقنية، تتحوَّل الرسوم والمخزونات إلى أدوات سياسة.
الفرص والمخاطر
الفرص
• شركات التعدين تستفيد من ارتفاع الأسعار قرب القمم التاريخية.
• الدول المُنتِجَة للنحاس تحصل على قوة تفاوضية أكبر في العقود طويلة الأجل.
• شركات إعادة التدوير تستفيد من ارتفاع قيمة الخردة النحاسية.
• الاستثمار في المناجم والمُعالَجة يصبح أكثر جاذبية.
• الشركات التي تملك مخزونًا مسبقًا تُقلّل تكلفة الشراء في بيئة الأسعار المرتفعة.
المخاطر
• ارتفاع النحاس يزيد تكلفة شبكات الكهرباء ومراكز البيانات.
• نقل المخزون إلى الولايات المتحدة يترك أوروبا وآسيا أمام سوق أضيق.
• الرسوم المحتملة ترفع التذبذب وتُضعِف وضوح التسعير.
• نقص المعدن المتاح للتسليم يفتح المجال لقفزات سعرية مفاجئة.
• الشركات الصناعية تُواجه هوامش أقل إذا لم تستطع تمرير التكلفة إلى العملاء.
النتائج
يكشف اقتراب النحاس من قمّته التاريخية أن الأسواق لم تَعُد تقرأ المخزون العالمي ككتلة واحدة. فالمعدن الموجود في مستودعات الولايات المتحدة لا يهدئ بالضرورة حاجة أوروبا أو آسيا، خصوصًا عندما تقوده توقُّعات الرسوم إلى البقاء داخل السوق الأمريكية. لذلك تحوَّلت سوق النحاس من فائض متوقّع إلى سوق تبدو متوازنة أو مشدودة عمليًّا، ليس بسبب اختفاء المعدن، بل بسبب تغيُّر مكانه.
تكشف المعطيات ثلاث دلالات رئيسية
• المخزون أصبح جزءًا من السياسة التجارية؛ لأن الرسوم المحتملة أعادت توجيه حركة النحاس قبل تطبيقها.
• النحاس صار مؤشرًا لتكلفة الاقتصاد الكهربائي؛ من الشبكات إلى مراكز البيانات والسيارات والمعدات الصناعية.
• الفائض النظري لا يحمي الأسعار، عندما تكون الكميات القابلة للتسليم خارج الولايات المتحدة محدودة ومحل تنافس حادّ.
بذلك، لا يعكس صعود النحاس مجرد دورة مُضارَبة عابرة، بل يكشف تحولًا أعمق في سوق المعادن الصناعية. فالمعدن الذي كان يُقرَأ كمؤشر على نشاط البناء والتصنيع أصبح اليوم ورقة في التجارة الأمريكية، ومكوّنًا في سباق الكهرباء والذكاء الاصطناعي، ومقياسًا مبكّرًا لتكلفة البنية التحتية العالمية.
المراجع
1. Reuters. (2026). US tariff threat upends copper surplus as prices test all-time peak. on site: Reuters.
https://www.reuters.com/business/us-tariff-threat-upends-copper-surplus-prices-test-all-time-peak-2026-08-25/
2. Reuters. (2026). LME gripped by flash squeeze as copper tensions boil over. on site: Reuters.
https://www.reuters.com/commentary/reuters-open-interest/lme-gripped-by-flash-squeeze-copper-tensions-boil-over-2026-08-19/
3. Reuters. (2025). How tight supply, AI demand propelled copper towards $12,000. on site: Reuters.
https://www.reuters.com/business/how-tight-supply-ai-demand-propelled-copper-towards-12000-2025-12-12/
