كيف تنمو الصناعة العالمية بالرغم من ارتفاع التضخم؟
بالرغم من استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام والتمويل، لا تزال قطاعات صناعية عالمية تُحقّق مُعدّلات نمو، مدفوعة بتكيُّف الشركات مع المتغيرات الاقتصادية، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد والاستثمار في التكنولوجيا. ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة النمو الصناعي، الذي لا يعتمد على زيادة الإنتاج فحسب، بل على رفع الكفاءة وخفض تكلفة الوحدة المنتجة.
وتبرز عدَّة عوامل تُفسّر قدرة الصناعة على النمو رغم التضخم، أبرزها: الأتمتة والذكاء الاصطناعي، اللَّذان يساعدان المصانع على تقليل الاعتماد على العمالة ورفع الإنتاجية، إلى جانب التحول نحو مصادر الطاقة المتجدّدة لتقليص التعرض لتقلبات أسعار الوقود.
كما تستفيد بعض الاقتصادات من إعادة توطين الصناعات وتنويع المورّدين؛ في محاولة لتقليل مخاطر الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية.
لكن هذا النمو لا يعني بالضرورة تحسُّن أوضاع جميع الصناعات؛ فالشركات الكبرى تمتلك قدرةً كبرى على تمرير زيادة التكاليف إلى المستهلِكين، بينما تواجه المصانع الصغيرة والمتوسّطة ضغوطًا أشد بسبب ارتفاع أسعار الفائدة وتراجُع هوامش الأرباح.
وهنا تظهر مفارقة مهمة، وهي: التضخم قد يدفع بعض الشركات إلى الاستثمار في التكنولوجيا لخفض تكاليفها، لكنه في الوقت نفسه يضعف القوة الشرائية، ويَحدّ من الطلب على المنتجات؛ ما يُهدّد استدامة التوسع الصناعي.
كما أن تباين مستويات التضخم وأسعار الفائدة والطاقة بين الدول يُعيد رسم خريطة التنافس الصناعي، ويمنح بعض الاقتصادات ميزةً نسبيةً على حساب أخرى.
وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للصناعة العالمية ليس قدرتها على تحقيق نمو اسمي في ظل التضخم، بل قدرتها على زيادة الإنتاجية والقيمة المُضافة والحفاظ على الطلب والأرباح، دون الدخول في دوَّامة جديدة من ارتفاع الأسعار.

